القائد
07-06-2007, 05:38 PM
قالت بعد تردد وفي عينيها دموع تسيل بصمت : ودعت أبي الوداع الأخير قبل أيام ، ومنذ ذلك اليوم أسأل نفسي لماذا لم أستطع أن أسامحه قبل أن يموت؟؟ لماذا لا نتسامح ونحن أحياء حتى ننعم بالحياة بدل الندم بعد فوات الاوان؟
لماذا لا نترك مجالاً للصفح ونحن أحياء قبل أن ينادي منادٍ أن اصفحوا عن أخيكم أو أختكم يرحمكم الله ؟
قلت لها : ما سبب الخلاف بداية .
قالت: للأسف عرفت بعد فوات الأوان أن سبب الخلاف لم يكن يستحق كل تلك السنوات الطويلة من الجفاء والقطيعة. وعليّ الآن أن أعيش بعذاب الضمير، لماذا تركت نفسي لعبة في أيادي شياطين الإنس والجن ممن يضخمون الأمور؟ لماذا لم
أفكر في الأمور بتسامح وتفهم وإيجابية؟
فطوال تلك السنوات كنت أعتقد أن أبي ظلمني وفضّل إخوتي عليّ... فقد كنت الابنة الكبيرة، علمني حتى الثانوية ودرست في مدارس حكومية في حين سمح لإخوتي بالتعليم الجامعي، ودرسوا في مدارس خاصة، فكان لدي شعور بأن أبي ظلمني بعدم منحه إياني فرصة الدراسة في الجامعة كإخوتي وغير ذلك من الأمورالصغيرة التي تضخمت في مخيلتي مع مرورالأيام .
قلت لها: ما الذي تغير الآن؟
قالت: بعد موت أبي تحدثت أمي عن أبي حديثا طويلاً لم تتحدث به من قبل، وتحدثت عن ظروفه المادية وعن صفاته بما لم نكن نعلم، عندها فقط لأول مرة أجابت أمي عن كثير من التساؤلات التي طالما سألتها نفسي، ولم أجد الجواب عليها، عندها- فقط- أدركت أن الوهم الذي عشته لسنوات طويلة بأن والدي لم يمنحني ما أردت عندما كنت صغيرة كان بلا مبرر، وأنه كان بإمكاني أن أسأله أو أسأل أمي عن
أشياء كثيرة كانت بلا إجابة عندي، وبعد حديث أُمي فكرت بالأمر بصورة مختلفة وأدركت أن الأمر تضخم في مخيلتي خلال السنين، وحرمني من أن أظهر مشاعر الحب لوالدي ، وها أنا أتمنى أن يعيش ولو لدقائق أضمه فيها وأدعوه أن
يسامحني .
استمرالحوار معها وكان السؤال الاخيرالذي طرحته عليّ قبل أن تغادر، لماذا لا نتسامح ونحن أحياء بدلاً من أن يُطلب منا أن نصفح ونسامح من لم يعد منه رجاء(الأموات)؟
فتح تساولها الاخيرعلّى مجالا كبيراً للتساؤل فهى واحدة من ملايين البشرالذين يعانون لسنوات طويلة نتيجة عدم التسامح، واننا جميعاً بصورة او بأخرى لدى كل منا قصة او مجموعة قصص تصب في نفس الفكرة الا وهي التسامح.
التسامح كلمة اكبر من ان تختزل في صفحات او كلمات قليلة ولكن لها مفعولا سحريا وقوة علاجيه هائله لامراض القلوب والعلاقات بين البشر فمعظم الخلافات بين الناس تبدا من امور صغيرة او تافهه فالحكمة تقول (مستعظم النار من مستصغر الشرر) فكم من العلاقات بين الاخوة والاهل قطعت واستمر الجفا والُبعد لسنوات وسنوات بعدها اكتشف الطرفان انه لم يكن هناك سبباً حقيقاً للخلاف وانما كان سوء فهم تضخم ونما في قلوب ملئت بالحقد والجهل والتعنت واغلقت فيها الابواب امام التفاهم والتسامح ..
وكم من صديق او حبيب دمرأجمل أيام حياته وعلاقاته بلا مبرر حقيقي، وكم من العلاقات الزوجية تدمرت وأنتهت بالتعاسة والشقاء والطلاق لعدم وجود التسامح والغفران فيها، وكم من علاقات سيئة بين الاباء والابناء انتهت بحزن بسبب أخطاء تم ارتكابها او سوء فهم لم تفتح له ابواب التسامح وغيرها من القصص التى يعرفها القراء .
الديانات السماوية تدعو للتسامح
ان ديننا الاسلامي دين تسامح ومحبة، وهذا ما دعت اليه جميع الاديان السماوية، يقول الله عزوجل)(وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفوررحيم) التغابن :14وليعفوا و ليصفحوا ألا تحبون ان يغفرالله لكم إن الله غفور رحيم :النور: 22 )
( فأعف عنهم وأصفح إن الله يحب المحسنين ) المائدة :13
ما هو التسامح ؟
لا اعرف للتسامح من تعريف موحد، ولكنه يعني السمو بالنفس وتنقية القلب من صفات الحقد والانتقام والكره، وان يكون لديك القدرة على المغفرة (العفوعند المقدرة) والتعاطف والرحمة والحنان تجاة من اساء اليك. والتسامح ايضاً هو الرغبة في ان تفوض أمرك إلى الله تعالى تجاه من اساء اليك ووقت الكرب والضيق . والتسامح كمصطلح يختلف تماما عن اللامبالاة او التنازل لشخص كتعبير عن التهذيب او تقبل الظلم الاجتماعي بانواعه
هل نستطيع ان نسامح ؟
بما ان الله خلقنا مختلفين الطبائع والصفات فإننا نستطيع ان نسامح ونتسامح مع انفسنا والآخرين ولكن بدرجات مختلفة. وكلما ارتقى الانسان بصفاته وزاد ايمانه بالله سبحانه و تعالى كلما زادت قدرته على التعامل مع الاساءة الية بتسامح وصفح وكلما استطاع ايجاد الاعذار لسلوكات الآخرين . فالنفوس الكبيرة هي التي تستطيع أن تتجاوز أحقادها ومواقفها الشخصية فعندما نسامح شخص سبب لنا الاذى والجراح فاننا بالتأكيد لا ننسى ما حصل ولكننا نكون قد استطعنا التغلب على الرغبة في الانتقام ومشاعر الكره والحقد والتخلص من الافكار السلبية للشعور بالمرارة والإستياء والحزن والألم فالمسامحة بقدر ما قد تكون صعبة على النفس بقدر ما هي رائعة وجميلة في حياتنا لماذا لا نستطيع ان نغفر ونسامح الآخرين؟
عندما يسبب لنا الآخرون الآذى، بسبب ضعفنا او عدم قدرتنا على الرد على الاساءة اوالدفاع عن انفسنا فاننا نخزنها في اعماقنا لسنوات وتسبب لنا الألم كلما ذكرناها، واذا لم نستطع مسامحة من اساء الينا فانها تسجننا بداخلها وتصبح مصدر ألم وحزن دائم لنا ولكن النفس الانسانية امارة بالسوء، وعندما تتدخل (الأنا) التي بداخلنا فانها تزين لنا الدفاع عن انفسنا تجاه من سبب لنا الاذي النفسي والجسدى ( حتى ولو بدون قصد ) بكافة الطرق لحمايتها فيبدأ تضخيم الامور، ولوم النفس والآخرين، وتبدأ حالة من الصراع الداخلي ( لماذا اتسامح ؟ لقد اهانني وسبب لى الاذي؟ من يظن نفسه؟ سوف ارد له الصاع صاعين. لن اغفر له . ان غفرت له سيظن انني ضعيف وهو على حق. هذا الشخص لا يستحق ان اغفر له،....الخ) من تلك الحوارات الشيطانية التي تدور بداخلنا كل يوم وترهقنا بها وتسبب لنا الحزن والالم النفسي والجسدي لان هذه الحورات تدورحول أُناس احببناهم وكنا نعيش معهم بوئام ومحبة وكانوا يشكلون جزئاً هاما من حياتنا في يوم من الايام .
اننا لو فكرنا قليلاً وحاولنا كبح جماح الآنا بداخلنا لما استطاعت من السيطرة على مشاعرنا الإنسانية وفطرتنا الطيبة واستطعنا ان نغفر ونتسامح مع الآخرين وممن اسأوا لنا.
ثقافة التسامح
ان التسامح بين افراد المجتمع هو نتائج ثقافة تربوية اسرية، فالاباء هم اول من يعلم الابناء التسامح والمحبة والمغفرة والتخلى عن مشاعرالحقد والكره والرغبة في الانتقام من خلال تعاملهم مع بعضهم ومع الابناء، ومن خلال تدريب الابناء على ايجاد الاعذار وتفهم الآخرين وسلوكاتهم. فعندما ندرب ابناؤنا على التسامح منذ الطفولة لتصبح جزءاً من شخصياتهم فان ذلك سينعكس على تعاملهم مع اقرانهم و الآخرين فيما بعد
لماذ نتسامح ؟
ثبت علمياً أن الشخصيات المضطربة والتي تعاني من القلق المزمن أنها لا تعرف التسامح ولم تجرب لذة العفو ونسيان الإساءة. وان الشخصية السليمة التي تتمتع بالصحة النفسية هي التي تتسامح . فالتسامح مهم جدا في حياتنا للاسباب التالية:
1)التسامح ينهي الصراعات الداخلية مع انفسنا، والاحقاد التي عاني منها الكثيرون وعاشوا معها لسنوات طويلة
2)التسامح هو الممحاة التي تحررنا من ذكريات الماضي المؤلمة ويعيد الاشراق والسعادة والامل لحاضرنا
3)التسامح يحررنا من سجون الخوف والغضب والضيق والحقدوالكبت التي فرضناها على عقولنا لاننا ونحن غاضبون نستمر في استرجاع الغضب واللوم الذي يعكرعلينا صفوحياتنا وعندما نتسامح نتوقف عن ذلك ونعرف الاحساس
الحقيقي بالحب.
4)التسامح يعيد لنا السلام الداخلى وتوازننا النفسي ويشعرنا بالراحة والرضى والهدوء .
5)التسامح يقوى جهازالمناعة لدينا ، فعندما تكون في حالة حب وتسامح مع نفسك ومع الآخرين تستطيع مقاومة المرض والارهاق والاكتئاب
6)التسامح يعيد الحب والآمن والاستقرار للعلاقات الانسانية بين البشر
7)التسامح يجعل ثقل الحياة اقل وطأة مما هو عليه
8)التسامح يساعد على احترام الذات ويعطيك الشعور بقيمتك كإنساناً حقيقياً
من نسامح؟
اولاً: سامح نفسك : مسامحة النفس مهمة جداً فانت لن تستطيع ان تعيش بهدوء وان تتقدم في حياتك الاّ اذا سامحت نفسك، فان كنت تحاسبها وتعاقبها وتحتقرها ليل نهار فلن تعيش باحترام وهدوء (لا اقصد هنا ان تتعمد الخطاء وان تجد المبررات لتسامح نفسك وتكرره )
ثانياً : مسامحة الوالدين : كثيرة هي القصص التي يشعر بها الأبناء بالغضب والحقد على والديهم ويلومونهم فيها على كثير مما حدث لهم بالطفولة والشباب فقد تكون هناك اسباب حقيقية لتلك المشاعر وقد تكون مجرد مشاعر تضخمت مع الزمن بسبب التفكيرالخاطئ ، وعلى كل الاحوال علينا ان نجد الوسيلة لنسامحهم ونجد لهم الاعذار والمبرارات فهناك الكثيرمن الاعتقادات الخاطئة التي حملناها معنا على مر السنين وكانت عبئاً ثقيلاً على اكتافنا.
ثالثاً: مسامحة الاخوة والاخوات: قد يقضى الاخوان قبل ان تصفو قلوبهم تجاه اشياء حدثت فى الطفولة او بسبب الغيرة والحسد او على الخلافات المادية، لذلك المسامحة مفيدة لاعادة العلاقات الودية والسعادة بين الاخوة.
رابعاً: سامح كل من اساء اليك: سامح من اساء اليك ، إن لم يكن من اجلهم فمن اجلك انت ومن اجل ان تنعم بالسعادة والراحة. فانت لا تستطيع ان تتقدم في حياتك وانت تحمل الكثير من الاحقاد والغضب على الآخرين، فعدم التسامح يجعل بعضنا يأكل لحم بعض، ويخلق حالة من التوتر في العلاقات وينهك اجسامنا بمشاعر الغضب والألم والمرارة.
التسامح بين الزوجين:
وجد ان انجح الزيجات تلك التي قامت على التسامح الحقيقي بين الزوجين واقصد ( الرجل والمرأة) وليس على حساب طرف واحد ياخذ شكل الضحية او الذي يتنازل دائماً
كيف نتسامح ؟
إن الإقدام على التسامح والعفو بين الناس لا يخلو من تغاض وتساهل. والتسامح الحقيقي ليس مجرد كلمات ومواعظ ، فعليك تخطى مرحلة الكلام الى مرحلة الافعال المدعمة بالسلوكيات الحقيقية التى تدل على التسامح الحقيقي حتى تشعر باللذة الحقيقية لقوة وقيمة التسامح واثره الحقيقي في نفسك، لذلك عليك اتباع الخطوات التالية:
اولاً: عليك ان تغير من نظام معتقداتك: من المفيد ان تراجع نفسك وتُقّيم سلوكاتك بين الحين والآخر، فلا يكفي ان تنظر الى نفسك في دورالضحية او الشخص المظلوم دائما.ً
عليك ان تتحمل جزأ من المسؤولية مما يجرى حولك فلا تضع اللوم على الآخرين دائماً، بل انظر بداخلك عن سبب تلك العوائق التي تمنعك من مسامحة نفسك أوالآخرين.
ثانياً: الخوف من تغيير المعتقدات عن الآخرين يمنعنا من ان نتسامح خوفاً من ان نرى ان الآخرين ابرياء او لديهم اعذاراً مقبولة لتلك السلوكات تجاهنا والتي سببت عذابنا لسنوات طويلة بلا مبرر.
ثالثاً: تذكر: ان اصرارك على عدم التسامح يعني انك اخترت المعاناة وان التسامح الحقيقي هو الذي يساعدك على الوصول الى الرضى عن النفس والسعادة خطوات .
عملية للتسامح
اولا: احضر ورقة وقلماً.
ثانياً: فكر لدقائق ثم اكتب اسماء الاشخاص الذين اساؤوا اليك وتريد ان تسامحهم.
ثالثاً : يجب الاعتراف بوجود الألم الداخلى
رابعاً: التعبيرعن ذلك الالم بهدوء وبتعقل واخراج ما بداخلك من ألم وبدون تصعيد للامور.
خامساً: حاول ان تضع نفسك مكان من سبب لك الالم ، وان تتفهم وجهة نظره وان تجد له العذرعلى سلوكه الذي جرحك فيه حتى تستطيع ان تسامحه عليه .
سادساً: راجع دورك في العلاقة ولا تستعذب دور الضحية حتى تعفى نفسك من المسؤولية.
سابعاً : اعمل على استبدال مشاعر الغضب الى مشاعر حب،ومشاعر الحقد الى مشاعر تسامح حقيقي.
ثامناً: هل تشعر بالرضى والفخر الآن بعد استطعت ان تخرج ذلك العبئ الثقيل من الماضى ؟
لماذا لا نترك مجالاً للصفح ونحن أحياء قبل أن ينادي منادٍ أن اصفحوا عن أخيكم أو أختكم يرحمكم الله ؟
قلت لها : ما سبب الخلاف بداية .
قالت: للأسف عرفت بعد فوات الأوان أن سبب الخلاف لم يكن يستحق كل تلك السنوات الطويلة من الجفاء والقطيعة. وعليّ الآن أن أعيش بعذاب الضمير، لماذا تركت نفسي لعبة في أيادي شياطين الإنس والجن ممن يضخمون الأمور؟ لماذا لم
أفكر في الأمور بتسامح وتفهم وإيجابية؟
فطوال تلك السنوات كنت أعتقد أن أبي ظلمني وفضّل إخوتي عليّ... فقد كنت الابنة الكبيرة، علمني حتى الثانوية ودرست في مدارس حكومية في حين سمح لإخوتي بالتعليم الجامعي، ودرسوا في مدارس خاصة، فكان لدي شعور بأن أبي ظلمني بعدم منحه إياني فرصة الدراسة في الجامعة كإخوتي وغير ذلك من الأمورالصغيرة التي تضخمت في مخيلتي مع مرورالأيام .
قلت لها: ما الذي تغير الآن؟
قالت: بعد موت أبي تحدثت أمي عن أبي حديثا طويلاً لم تتحدث به من قبل، وتحدثت عن ظروفه المادية وعن صفاته بما لم نكن نعلم، عندها فقط لأول مرة أجابت أمي عن كثير من التساؤلات التي طالما سألتها نفسي، ولم أجد الجواب عليها، عندها- فقط- أدركت أن الوهم الذي عشته لسنوات طويلة بأن والدي لم يمنحني ما أردت عندما كنت صغيرة كان بلا مبرر، وأنه كان بإمكاني أن أسأله أو أسأل أمي عن
أشياء كثيرة كانت بلا إجابة عندي، وبعد حديث أُمي فكرت بالأمر بصورة مختلفة وأدركت أن الأمر تضخم في مخيلتي خلال السنين، وحرمني من أن أظهر مشاعر الحب لوالدي ، وها أنا أتمنى أن يعيش ولو لدقائق أضمه فيها وأدعوه أن
يسامحني .
استمرالحوار معها وكان السؤال الاخيرالذي طرحته عليّ قبل أن تغادر، لماذا لا نتسامح ونحن أحياء بدلاً من أن يُطلب منا أن نصفح ونسامح من لم يعد منه رجاء(الأموات)؟
فتح تساولها الاخيرعلّى مجالا كبيراً للتساؤل فهى واحدة من ملايين البشرالذين يعانون لسنوات طويلة نتيجة عدم التسامح، واننا جميعاً بصورة او بأخرى لدى كل منا قصة او مجموعة قصص تصب في نفس الفكرة الا وهي التسامح.
التسامح كلمة اكبر من ان تختزل في صفحات او كلمات قليلة ولكن لها مفعولا سحريا وقوة علاجيه هائله لامراض القلوب والعلاقات بين البشر فمعظم الخلافات بين الناس تبدا من امور صغيرة او تافهه فالحكمة تقول (مستعظم النار من مستصغر الشرر) فكم من العلاقات بين الاخوة والاهل قطعت واستمر الجفا والُبعد لسنوات وسنوات بعدها اكتشف الطرفان انه لم يكن هناك سبباً حقيقاً للخلاف وانما كان سوء فهم تضخم ونما في قلوب ملئت بالحقد والجهل والتعنت واغلقت فيها الابواب امام التفاهم والتسامح ..
وكم من صديق او حبيب دمرأجمل أيام حياته وعلاقاته بلا مبرر حقيقي، وكم من العلاقات الزوجية تدمرت وأنتهت بالتعاسة والشقاء والطلاق لعدم وجود التسامح والغفران فيها، وكم من علاقات سيئة بين الاباء والابناء انتهت بحزن بسبب أخطاء تم ارتكابها او سوء فهم لم تفتح له ابواب التسامح وغيرها من القصص التى يعرفها القراء .
الديانات السماوية تدعو للتسامح
ان ديننا الاسلامي دين تسامح ومحبة، وهذا ما دعت اليه جميع الاديان السماوية، يقول الله عزوجل)(وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفوررحيم) التغابن :14وليعفوا و ليصفحوا ألا تحبون ان يغفرالله لكم إن الله غفور رحيم :النور: 22 )
( فأعف عنهم وأصفح إن الله يحب المحسنين ) المائدة :13
ما هو التسامح ؟
لا اعرف للتسامح من تعريف موحد، ولكنه يعني السمو بالنفس وتنقية القلب من صفات الحقد والانتقام والكره، وان يكون لديك القدرة على المغفرة (العفوعند المقدرة) والتعاطف والرحمة والحنان تجاة من اساء اليك. والتسامح ايضاً هو الرغبة في ان تفوض أمرك إلى الله تعالى تجاه من اساء اليك ووقت الكرب والضيق . والتسامح كمصطلح يختلف تماما عن اللامبالاة او التنازل لشخص كتعبير عن التهذيب او تقبل الظلم الاجتماعي بانواعه
هل نستطيع ان نسامح ؟
بما ان الله خلقنا مختلفين الطبائع والصفات فإننا نستطيع ان نسامح ونتسامح مع انفسنا والآخرين ولكن بدرجات مختلفة. وكلما ارتقى الانسان بصفاته وزاد ايمانه بالله سبحانه و تعالى كلما زادت قدرته على التعامل مع الاساءة الية بتسامح وصفح وكلما استطاع ايجاد الاعذار لسلوكات الآخرين . فالنفوس الكبيرة هي التي تستطيع أن تتجاوز أحقادها ومواقفها الشخصية فعندما نسامح شخص سبب لنا الاذى والجراح فاننا بالتأكيد لا ننسى ما حصل ولكننا نكون قد استطعنا التغلب على الرغبة في الانتقام ومشاعر الكره والحقد والتخلص من الافكار السلبية للشعور بالمرارة والإستياء والحزن والألم فالمسامحة بقدر ما قد تكون صعبة على النفس بقدر ما هي رائعة وجميلة في حياتنا لماذا لا نستطيع ان نغفر ونسامح الآخرين؟
عندما يسبب لنا الآخرون الآذى، بسبب ضعفنا او عدم قدرتنا على الرد على الاساءة اوالدفاع عن انفسنا فاننا نخزنها في اعماقنا لسنوات وتسبب لنا الألم كلما ذكرناها، واذا لم نستطع مسامحة من اساء الينا فانها تسجننا بداخلها وتصبح مصدر ألم وحزن دائم لنا ولكن النفس الانسانية امارة بالسوء، وعندما تتدخل (الأنا) التي بداخلنا فانها تزين لنا الدفاع عن انفسنا تجاه من سبب لنا الاذي النفسي والجسدى ( حتى ولو بدون قصد ) بكافة الطرق لحمايتها فيبدأ تضخيم الامور، ولوم النفس والآخرين، وتبدأ حالة من الصراع الداخلي ( لماذا اتسامح ؟ لقد اهانني وسبب لى الاذي؟ من يظن نفسه؟ سوف ارد له الصاع صاعين. لن اغفر له . ان غفرت له سيظن انني ضعيف وهو على حق. هذا الشخص لا يستحق ان اغفر له،....الخ) من تلك الحوارات الشيطانية التي تدور بداخلنا كل يوم وترهقنا بها وتسبب لنا الحزن والالم النفسي والجسدي لان هذه الحورات تدورحول أُناس احببناهم وكنا نعيش معهم بوئام ومحبة وكانوا يشكلون جزئاً هاما من حياتنا في يوم من الايام .
اننا لو فكرنا قليلاً وحاولنا كبح جماح الآنا بداخلنا لما استطاعت من السيطرة على مشاعرنا الإنسانية وفطرتنا الطيبة واستطعنا ان نغفر ونتسامح مع الآخرين وممن اسأوا لنا.
ثقافة التسامح
ان التسامح بين افراد المجتمع هو نتائج ثقافة تربوية اسرية، فالاباء هم اول من يعلم الابناء التسامح والمحبة والمغفرة والتخلى عن مشاعرالحقد والكره والرغبة في الانتقام من خلال تعاملهم مع بعضهم ومع الابناء، ومن خلال تدريب الابناء على ايجاد الاعذار وتفهم الآخرين وسلوكاتهم. فعندما ندرب ابناؤنا على التسامح منذ الطفولة لتصبح جزءاً من شخصياتهم فان ذلك سينعكس على تعاملهم مع اقرانهم و الآخرين فيما بعد
لماذ نتسامح ؟
ثبت علمياً أن الشخصيات المضطربة والتي تعاني من القلق المزمن أنها لا تعرف التسامح ولم تجرب لذة العفو ونسيان الإساءة. وان الشخصية السليمة التي تتمتع بالصحة النفسية هي التي تتسامح . فالتسامح مهم جدا في حياتنا للاسباب التالية:
1)التسامح ينهي الصراعات الداخلية مع انفسنا، والاحقاد التي عاني منها الكثيرون وعاشوا معها لسنوات طويلة
2)التسامح هو الممحاة التي تحررنا من ذكريات الماضي المؤلمة ويعيد الاشراق والسعادة والامل لحاضرنا
3)التسامح يحررنا من سجون الخوف والغضب والضيق والحقدوالكبت التي فرضناها على عقولنا لاننا ونحن غاضبون نستمر في استرجاع الغضب واللوم الذي يعكرعلينا صفوحياتنا وعندما نتسامح نتوقف عن ذلك ونعرف الاحساس
الحقيقي بالحب.
4)التسامح يعيد لنا السلام الداخلى وتوازننا النفسي ويشعرنا بالراحة والرضى والهدوء .
5)التسامح يقوى جهازالمناعة لدينا ، فعندما تكون في حالة حب وتسامح مع نفسك ومع الآخرين تستطيع مقاومة المرض والارهاق والاكتئاب
6)التسامح يعيد الحب والآمن والاستقرار للعلاقات الانسانية بين البشر
7)التسامح يجعل ثقل الحياة اقل وطأة مما هو عليه
8)التسامح يساعد على احترام الذات ويعطيك الشعور بقيمتك كإنساناً حقيقياً
من نسامح؟
اولاً: سامح نفسك : مسامحة النفس مهمة جداً فانت لن تستطيع ان تعيش بهدوء وان تتقدم في حياتك الاّ اذا سامحت نفسك، فان كنت تحاسبها وتعاقبها وتحتقرها ليل نهار فلن تعيش باحترام وهدوء (لا اقصد هنا ان تتعمد الخطاء وان تجد المبررات لتسامح نفسك وتكرره )
ثانياً : مسامحة الوالدين : كثيرة هي القصص التي يشعر بها الأبناء بالغضب والحقد على والديهم ويلومونهم فيها على كثير مما حدث لهم بالطفولة والشباب فقد تكون هناك اسباب حقيقية لتلك المشاعر وقد تكون مجرد مشاعر تضخمت مع الزمن بسبب التفكيرالخاطئ ، وعلى كل الاحوال علينا ان نجد الوسيلة لنسامحهم ونجد لهم الاعذار والمبرارات فهناك الكثيرمن الاعتقادات الخاطئة التي حملناها معنا على مر السنين وكانت عبئاً ثقيلاً على اكتافنا.
ثالثاً: مسامحة الاخوة والاخوات: قد يقضى الاخوان قبل ان تصفو قلوبهم تجاه اشياء حدثت فى الطفولة او بسبب الغيرة والحسد او على الخلافات المادية، لذلك المسامحة مفيدة لاعادة العلاقات الودية والسعادة بين الاخوة.
رابعاً: سامح كل من اساء اليك: سامح من اساء اليك ، إن لم يكن من اجلهم فمن اجلك انت ومن اجل ان تنعم بالسعادة والراحة. فانت لا تستطيع ان تتقدم في حياتك وانت تحمل الكثير من الاحقاد والغضب على الآخرين، فعدم التسامح يجعل بعضنا يأكل لحم بعض، ويخلق حالة من التوتر في العلاقات وينهك اجسامنا بمشاعر الغضب والألم والمرارة.
التسامح بين الزوجين:
وجد ان انجح الزيجات تلك التي قامت على التسامح الحقيقي بين الزوجين واقصد ( الرجل والمرأة) وليس على حساب طرف واحد ياخذ شكل الضحية او الذي يتنازل دائماً
كيف نتسامح ؟
إن الإقدام على التسامح والعفو بين الناس لا يخلو من تغاض وتساهل. والتسامح الحقيقي ليس مجرد كلمات ومواعظ ، فعليك تخطى مرحلة الكلام الى مرحلة الافعال المدعمة بالسلوكيات الحقيقية التى تدل على التسامح الحقيقي حتى تشعر باللذة الحقيقية لقوة وقيمة التسامح واثره الحقيقي في نفسك، لذلك عليك اتباع الخطوات التالية:
اولاً: عليك ان تغير من نظام معتقداتك: من المفيد ان تراجع نفسك وتُقّيم سلوكاتك بين الحين والآخر، فلا يكفي ان تنظر الى نفسك في دورالضحية او الشخص المظلوم دائما.ً
عليك ان تتحمل جزأ من المسؤولية مما يجرى حولك فلا تضع اللوم على الآخرين دائماً، بل انظر بداخلك عن سبب تلك العوائق التي تمنعك من مسامحة نفسك أوالآخرين.
ثانياً: الخوف من تغيير المعتقدات عن الآخرين يمنعنا من ان نتسامح خوفاً من ان نرى ان الآخرين ابرياء او لديهم اعذاراً مقبولة لتلك السلوكات تجاهنا والتي سببت عذابنا لسنوات طويلة بلا مبرر.
ثالثاً: تذكر: ان اصرارك على عدم التسامح يعني انك اخترت المعاناة وان التسامح الحقيقي هو الذي يساعدك على الوصول الى الرضى عن النفس والسعادة خطوات .
عملية للتسامح
اولا: احضر ورقة وقلماً.
ثانياً: فكر لدقائق ثم اكتب اسماء الاشخاص الذين اساؤوا اليك وتريد ان تسامحهم.
ثالثاً : يجب الاعتراف بوجود الألم الداخلى
رابعاً: التعبيرعن ذلك الالم بهدوء وبتعقل واخراج ما بداخلك من ألم وبدون تصعيد للامور.
خامساً: حاول ان تضع نفسك مكان من سبب لك الالم ، وان تتفهم وجهة نظره وان تجد له العذرعلى سلوكه الذي جرحك فيه حتى تستطيع ان تسامحه عليه .
سادساً: راجع دورك في العلاقة ولا تستعذب دور الضحية حتى تعفى نفسك من المسؤولية.
سابعاً : اعمل على استبدال مشاعر الغضب الى مشاعر حب،ومشاعر الحقد الى مشاعر تسامح حقيقي.
ثامناً: هل تشعر بالرضى والفخر الآن بعد استطعت ان تخرج ذلك العبئ الثقيل من الماضى ؟