المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الجزء الثاني من سلسلة فضائل الثلث الاخير من الليل


القائد
07-06-2007, 07:36 PM
راجع نفسك يا غافل وتدارك ما فاتك ، واجعل لآخرتك من وقتك ، ولا تجعله كله للدنيا ! الدنيا فانية ، والآخرة باقية ، ووجه ربك خير وأبقى ، الأشجار والجبال والطير بل الكون كله يسبح لله في هذا الوقت ، وهي مخلوقات غير مكلفة ، وأنت ساهِِ لاهِِ ، إلى متى هذا البعد عن الله وهذه الجفوة ؟ و متى تصحو من غفلتك يا هذا ؟
يا متلذذا في نومه ، هائما في أحلامه ، المولى يطلبك ، يَعرض عليك فضله وعطاياه ، يُهيب بك بنداء لطيف ، ملك الملوك يناديك ، لو نادى عليك وطلبك ملك من ملوك الأرض لبادرت إليه وخضعت وتذللت وتمسَّحت بالأعتاب ، ووقفت على الأبواب على أحسن الهيآت والأحوال ، وبخشوع وإجلال ، ولو طلبك داع لجمْع الدنيا في ذلك الوقت لأجبته سريعا ، ألا تجيب مولاك إلى ما يحقق رضاه عنك !، أما تستحي تُجيب المخلوق وتتمرد على الخالق ! فهلا نهضَتْ بك همَّتك وتطاوعت لك خسيستك ، وتجاوبَتْ روحك مع نداء مولاك .
أنْعِم به من رب كريم عظيم ينزل للعباد , يا حسرة على العباد ناموا ومنادي الفلاح لا ينام , لا ينال كرم الله في هذا الوقت إلا المتقربون إليه الداعون الذاكرون له في ظلمات الليل حين ينام الغافلون ، عن أبي أمامة قال :" قيل يا رسول الله أي الدعاء أسمع ؟ قال جوف الليل الآخر , ودُبُرَ الصلوات المكتوبات " 14 .
اطلب من مولاك كل ما يحقق رجاءك ، واستغل هذا الوقت لقضاء حاجاتك من سيدك ، فكم للإنسان من أمور وحاجيات في نفسه وماله وأهله يُحبُّ أن تقضى ، ولا مناسبة لقضائها أفضل من هذا الوقت الغالي ، وكم له من أمور يحب أن تصرف عنه ولا وقت لذلك إلا هذا الوقت الفاضل .
إن نبي الله يعقوب عليه السلام عندما اعترف له أبناؤه بخطئهم في حق يوسف , وطلبوا منه أن يستغفر الله لهم قال:{ سوف أستغفر لكم ربي}، قال جمهور المفسرين : أخَّر يعقوب ذلك إلى السحر ليكون أقرب إلى الإجابة .
وقت غال نفيس ، الصلاة فيه خير من النوم , بل ركعتين فيه خير من الدنيا وما فيها ، والذكر فيه أفضل الأعمال ، قال الرسول الأكرم : " أفضل الصلاة بعد الصلاة المكتوبة : الصلاة في جوف الليل " 15 ، وقال الشفيع عليه الصلاة والسلام : " أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر ، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن " 16 .
يا للأسى : زمن قصير فاضل نفيس غفل عنه الناس وشُغلوا عنه , جعلوه للنوم والشخير، يسهرون إلى وقت متأخر من الليل يتفرجون على الأفلام والمسلسلات والبرامج التافهة السافلة إلى قرب الصبح ، فإذا جاء هذا الوقت فرطوا فيه وضيعوه ، وناموا وفي الأحلام هاموا .
فرصة لا تعوَّض ، وقت الأنبياء والأولياء والصالحين والمحبين لله ، وقتُ الخلوة والانفراد بالمحبوب والتذلل أمامه ، والتلذذ بخطابه وذِكْره والكلام معه، ونيل المراد منه جل شأنه ، زمن الذكر والتهجد والإستغفار والإستمطار والتسبيح والبكاء على الله والأُنس به من وحشة الدنيا ، وجفوة وقسوة أهلها ، والضراعة إليه والإنكسار بين يديه، و الإنحسار على بابه، وطلب القرب منه سبحانه ، وقت يصفو فيه القلب ، وتسمو فيه الروح ، وتسكن فيه الحركات ، وتتنزل الرحمات وتَحُل البركات ، لا يتذوق حلاوته ويشتم عبيره إلا عشاق الليل القائمون إلى مناجاة ربهم في جوف الظلام والناس نيام ، وباب الله ليس عليها زحام ، تتورم منهم الأقدام وهم قيام، وتلتصق جباههم بأرض العبودية والإستسلام
للملك العلام، يسألونه أن يدخلهم في سبل السلام مع النبي والصحب الكرام، ويحفظَهم من مصير أهل الذنوب والآثام، قائمين بعبودية مولاهم خاضعين خاشعين ، يرجون منه حصول مطالبهم ، ونيل مآربهم التي وعدهم بها على لسان
رسوله الذي صدَّقوا برسالته صلى الله عليه وسلم .
لا يغتنمه إلا الصفوة من خلق الله المصطَفَوْن الأخيار، الذين مدحهم الله بقوله : { في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة } 17 .

أبو حزم الاندلسي
08-20-2007, 01:00 AM
جزاكم الله كل خير