مبتدئ في طلب العلم
08-30-2007, 02:55 PM
نصيحة للشباب
للشيخ
صالح حفظه الله تعالى
بن عبد العزيز آل الشيخ
[شريط مفرّغ]
آخر تعديل: 02/01/1425هـ
[لقاء ببعض طلبة العلم من الكويت]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله حق الحمد وأوفاه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ومصطفاه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.
أما بعد:
فأرحب بالأخوة أكمل ترحيب وأجمله، ويسرني أن يكون هذا اللقاء المقصود منه التواصل وتدعيم المحبة، وأن يكون هناك فوائد من اللقاء لأن اللقاء يستفيد منه الطرفان؛ فأستفيدُ منه وربما تستفيدون أيضا؛ وذلك لأن التقاء الشباب وطلبة العلم والتقاء الحريصون على الدعوة في البلاد الإسلامية والبلاد العربية وأهل الجوار بخصوصهم فيه فوائد كثيرة -غير الفوائد الشرعية المعروفة-:
ففيه تقوية الصلة بما فيه تكاتف الجهود في الدعوة الواحدة.
وأن يكون هناك معرفة بمن يقوم بجهد.
لأنّ الأصل في المؤمنين أن يكونوا جسدا واحدا، وهذا الجسد الواحد يقوم بالمهمة فيه كل عضو من أعضائه، فنحن ننظر إلى الدعوة إلى الله جل وعلا على منهج السلف الصالح أنّ أهلها فيها سواء، في المملكة، أو في الكويت، أو في الهند، أو في المغرب، أو في الشمال، أو في الجنوب، فالكل فيها سواء من جهة وَحدة الهدف ووَحدة المنهج، وأن العمل لشيء واحد.
وبالتالي فالتنسيق في الجهود والعمل وأنْ يكون المنهج واحدا والهدف واحدا والطريق واحدة ييسر على أن يكون الجميع على تواصل مستمر وعلى أن لا تتكرر الجهود؛ لأننا نرى أن مشكلة اليوم في الذين يعملون باسم الإسلام على منهج صحيح أنهم غير مرتَّبين؛ جهودهم مكررة، وأعمالهم ربما كرر بعضها بعضا وربما تنافسوا في غير مجال التنافس.
ولهذا نقول في هذه اللقاءات فتح باب التنسيق، وفتح باب التواصل، وأن يكون العمل مرتبا، وأن يكون أصحاب الدعوة السلفية الحقة على طريقة واحدة غير متنازعين ولا مختلفين ولا متنافسين في غير ما يكون التنافس المأذون به فيه.
مما ينبغي التواصي به في هذا الباب: أنَّ الأصل في الشريعة أنها جاءت لإخراج المكلف عن داعية هواه، كما قال الشاطبي رحمه الله في الموافقات: الغرض من الشريعة إخراج المكلَّف عن داعية هواه. يعني أن يكون فيما يأتي وفيما يذر ويَعظم الأمر بعظم القضية التي يأتيها؛ أن يكون على وَفق الشرع وأن يطرح هواه جانبا، والهوى بمعنى الرغبة، أن يطرح رغباته جانبا، وأن ينظر فيما تدلّ عليه الشريعة في النص من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو كلام الصحابة الذي لا خلاف فيه، أو ما عليه أئمة أهل السنة والجماعة ودوّنوه في عقائدهم.
وهذا يجعل المنهج منهجا واحدا؛ لأنّ تعاطي ما ذكرت بإخراج نفسك عن داعية الهوى يجعل الطريق واحدة؛ لأن الكتاب والسنة وإجماع السلف وهدي الصحابة المتّفق عليه وما قاله أئمة أهل السنة والجماعة لا يختلف، هو شيء واحد.
وإنما يأتي الاختلاف من دخول الرغبات التي ربما خرج بها أصحابها عمّا دلت عليه النصوص في الكتاب والسنة.
وهذا هو مدلول قول الله جل وعلا ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾[الأحزاب:36]، وقول النبي «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئتُ به»، وهذا أمر معروف، فإنّ الشريعة لا تستقر في القلب حتى يوطن المرء نفسه على تحكيم الشرع في نفسه قبل أن يطالب الآخرين بأن يحكموه.
والشريعة -الكتاب والسنة- فيها وصايا تهمنا في هذا الأمر ونأخذ منها ثلاث وصايا:
الأولى: وحدة السبيل وهي التي جاءت في قوله تعالى ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾[الأنعام:153].
والثانية: في قوله تعالى ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾[الأنفال:1].
والثالثة: في قوله جل وعلا ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾[الإسراء:53].
أما الأولى
فإن السبيل -سبيل الحق والإيمان- واحدة غير متعددة، يعني في أصولها، الأصول واحدة غير مختلفة، وما يسوغ الاجتهاد فيه هذا لا يخرج المجتهدين عن الطريق الواحدة، فقوله تعالى ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ يعني فاتبعوا هذا الصراط الواحد، ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾، وهذا السبيل الواحد ميادينه شتى كثيرة، كل واحد منا لو عمل في واحد منها لاستغرق جهدَه، فسبل الله جل وعلا التي هي في داخل ذاك الحديث من الطاعات والعبادات والأعمال الصالحة متعددة، كما قال جل وعلا ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾[العنكبوت:69]، قال العلماء قوله ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ يعني السبل التي في السبيل الواحد وهي سبل الطاعات والاتباع في الخيرات، فهي متعددة، وكلٌّ يأخذ بما فتح الله جل وعلا عليه فيه، ولهذا لما قيل للإمام مالك رحمه الله تعالى: أنتَ مالك بن أنس الذي إليه [يَرْنُ] الناس بأبصارهم، نراك مختصرا على العلم، ونراك ضعيفا في غيره؛ فلست من أهل الجهاد ولا المرابطون في الثغور ولست كذا ولست كذا.
فقال مالك رحمه الله بفقهه وعظيم علمه: يا فلان إنّ الله جل وعلا فتح لبعض عباده سبيل الصلاة فتعبَّدوا بها –يعني النفل-، وفتح لبعض عباده سبيل الصدقات فتعبدوا بها، وفتح لبعض عباده سبيل الجهاد فتعبدوا به، وإنّ الله جل وعلا فتح لي باب العلم فرضيتُ بما فتح الله لي.
وهذا يجعل كل من يروم نُصرة هذا الدين أن يكون في تكاملٍ مع إخوانه، وأنْ لا يُظن أنّ الجميع من المسلمين يجب أن يكونوا شيئا واحدا؛ أنْ يكونوا جميعا طلبة علم، أو أن يكونوا جميعا أهل حركة، أو أن يكونوا جميعا أهل أسْفار، أو أن يكونوا جميعا أهل كذا، هذا غير متعين، والشريعة كما نعلم حضّت على أنواع كثيرة من العبادات ومن أتى ببعض النوافل لا يُلام أن ترك بعضها؛ لأن الله جل وعلا قَسَم بين الناس أخلاقهم وأرزاقهم.
لهذا نقول هذه الآية فيها فوائد، الفائدة الأولى فيها: أنّ سبيل الحق واحد غير متعدد، كما قال ابن القيم رحمه الله في نونيته:
فلواحد كن واحدا في واحد أعني سبيل الحق والإيمان
هذا السبيل الواحد نحن نتكامل فيه، بعضنا يرتبط ببعض فيه ولا يلوم بعضنا بعضا فيه إذا كان على السبيل الواحد الذي هو سبيل الحق والإيمان، فمن كان على منهج السلف الصالح وعلى سبيل السنة فإنه من أتى ببعض ما يجب عليه، ببعض ما يستحب له، وببعض الواجب الكفائي، وترك بعض الواجب الكفائي لغيره، فإنه لا يلام، وكذلك من أتى ما يستطيعه وما فتح له فيه من أنواع الجهاد أو الدعوة أو الخير فإنه يُعان على ذلك، فنحن نتكامل في هذا ونسعى فيه، وهذا يُرتِّب أن يكون هناك معرفة بالطاقات -طاقات الشباب- وما يتميز به كل واحد:
فمنهم من يكون متميزا في العلم فيُحث عليه ويشجع فيه حتى ينشره في الأمة.
ومنهم من لم يفتح له باب العلم فيحث على ما يتميز فيه؛ لأن الله جل وعلا يحب إذا عمل أحدنا عملا أن يتقنه كما جاء في الحديث الحسن «إنّ الله يحب إذا عمل أحدُكم عملا أنْ يتقنه».
الوصية الثانية
هي في قوله جل وعلا ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾[الأنفال:1]، فهذه اشتملت على ثلاثة أوامر:
الأول: تقوى الله جل وعلا، وأعظم ما تكون به التقوى الإخلاص؛ أنْ يكون الله جل وعلا هو المقصود وحده وأن تُخرج الدنيا بأنواعها من المال والجاه والذِّكر حتى السمعة بين الإخوان أن تخرج من القلوب، وأنه إذا رضي الله جل وعلا عن العبد فإن هذا يكفي، وإذا علم الله صنع العبد فإن هذا يكفيه ولو لم يطلع عليه أحد. فالتقوى تحصل في إخلاص القلب لله جل وعلا فمن وطّن قلبه على الإخلاص لله حصلت له التقوى تبعا؛ يعني حصل له اتقاء العذاب من فعل الأوامر واجتناب النواهي.
فقد فسر طلق بن حبيب التقوى كما هو معلوم بأن التقوى بأن تعمل بطاعة الله ”تقوى الله: أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخشى عقاب الله“. لكن أهمها الإخلاص أنْ لا ترائي أحدا وأن لا تطلب الثناء من أحد، وإنما تعمل لله جل جلاله ولو لم يعلم بك أحد.
وما أحسن فعل الربيع بن خُثيم التابعي المعروف العالم الجليل الفقيه الزاهد تلميذ ابن مسعود رضي الله عنه، حيث طلب من أهله مرة أنْ يصنعوا له طعاما من أفخر الطعام ومن أحسنه في الكوفة، فصنعوا له ذلك، فلما أتوه به أخذ الإناء وذهب به إلى رجل في الكوفة أعمى لا يُبْصر، وأصم لا يسمع، وأبكم لا يتكلّم، فطرق عليه الباب وأتاه بهذا الطعام فجعل يعطيه الطعام لقمة لقمة، والربيع يتبسم ويتهلهل وجهه فرحا، فلما خرج قال له بعضهم: لِمَ صنعت هذا؟ هذا رجل لا يسمع ولا يبصر ولا يتكلم. فقال الربيع مُغْضَبًا: ولكن الله يسمع ويبصر سبحانه وتعالى. يعني لا يريد ثناء من هذا ولا ذكرا به؛ لكنه أراد به ما عند الله جل وعلا.
والعمل الصالح المخلص يبقى فلو لم يعلم به أحد يخرجه الله جل وعلا، وهذا كثير في الناس تجد أن العمل الخالص الصادق يُخرجه الله جل وعلا ويثني العباد على العبد بعمله الصالح الخالص إذا اطلعوا عليه وأخرجه الله جل وعلا بذلك.
فإذن صلاح القلب هو أساس ما نقوِّم أنفسنا عليه؛ لأن القلوب إذا كانت مريضة من جهة الإخلاص ما يُرجى منها، ما يرجى منها خير، إذا كان فيها نزعات وجاه وشهرة والدنيا والمال والثناء والرياسة فإنها ما يرجى منها خير، بل الواجب أن يوطِّن الخاصة أنفسهم قبل أن يطالبوا العامة بأن يخلصوا من قلوبهم حب الدنيا، إذا خرجت الدنيا من القلوب حصلت للعبد فتوح من الخير العلمية والعملية، والله جل وعلا رقيب العباد مُطَّلِع على العبد.
والثانية في الآية: هي الوصية في إصلاح ذات البين ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾[الأنفال:1]، وإذا كان كما هو معروف في سبب النزول أنه لما اختلفوا على الأنفال في غزوة بدر وحصل بين بعضهم وبعض كلام، وهذا يخطِّئ هذا وهذا يخطئ هذا، فأمر الله جل وعلا بتقواه وبإصلاح ذات البيْن وطاعة الله جل وعلا وطاعة رسوله في فتنة الأنفال وتركها لله جل وعلا ورسوله ، فدل هذا على عظم هذا الأمر وإصلاح ذات البيْن، فإنّ المرء أعظم ما يتقرب به في الحقوق العامة للناس أن يسعى في إصلاح ذات البين قد ثبت في الصحيح صحيح مسلم بن حجاج رحمه الله تعالى أن النبي قال «يُغفر لكل مسلم يشهد أنْ لا إله إلا الله وأنّ محمدا رسول كل يوم اثنين، إلاّ رجل كانت بينه وبين أخيه خصومة، فيُقال أَنْظُرُوا هَذَيْنِ حَتّىَ يَصْطَلِحَا، ارْكُوا هَذَيْنِ حَتّىَ يَصْطَلِحَا» يعني أخروا هذين فلا تُغفر لهم الذنوب حتى يصطلحا، ولهذا من أسباب مغفرة الذنوب إصلاح ذات البيْن وأن لا يكون بينك وبين أحد من أهل الدنيا -أحد من المسلمين- شحناء بسبب الدنيا، أما إذا كانت بسبب حق الله جل وعلا هذا فيه تفصيل كما هو معروف في باب الهجر.
وأما أن يتخاصم اثنان ولا يسلم هذا على هذا لأجل أن هذا غمزه مرة بكلمة وهذا مرة قدح فيه في مكان بكلمة ونحو ذلك، فهذا ليس من صنيع أهل الإيمان أن يتهاجروا في الدنيا، بل إذا حصل الهجر الشرعي فإنه يكون بشروطه ودواعيه المأذون بها شرعا.
والمسلم لا يحلُّ له أن يهجر أخاه المسلم فوق ثلاث؛ يعني لأمر من أمور الدنيا، لك إذا اعتدى عليك في عرضك أو أخطأ عليك في نفسك وسمعتَ هذا منه أو حصل بينك وبينه خصومة أن تهجره لحق نفسك ثلاث؛ إلى ثلاث فقط، ومن عفى وأصلح فأجره على الله، أما ما هو أكثر من الثلاث فلا يجوز؛ يحرم، ومن فعله يعني هجر أخاه فوق ثلاث لحظٍّ من حظوظ الدنيا فإنه داخل فيمن هجر المسلم بغير حق ومن من لم يصلح ذات البيْن.
وأمر الله جل وعلا بطاعة الله ورسوله فقال ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ وهي عامة يدخل فيها الواجبات والنواهي.
أما الوصية الثالثة
في آية الإسراء وهي قوله جل وعلا ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾[الإسراء:53]، ومعلوم أنّ المسلم مع المسلم يسعى بنُصحه كما قال تَميـمٍ الـدّارِي رضي الله عنه ورحمه أنّ النبي قال«الدَّينُ النَصِيحَـةُ» ثلاثا، قلنا: لِمـنْ يا رسول الله؟ قال «لله، وَلِرَسولِهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلأَئِمَّةِ المْسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمُ» والنصيحة لعامة المسلمين أن تخلِّص قلبك من الغش لهم، وإذا خلصت القلب من الغش لهم فإنك تبذل لهم النصيحة الخاصة التي هي أمرهم بالخير وحثهم عليه، لكن أصل النصيحة أنْ تخلِّص القلب من الغش لهم؛ يعني خالَف ذلك من ترك قلبه في حق إخوانه المسلمين، لا يروم له أن يكون أفضل ما يكون؛ يفرح بزلته، فإذا زل قال: أحسن، هذا يخالف النصيحة، وإذا أخطأ قال: طيب أنه أخطأ، وهذا يخالف النصيحة، والله جل وعلا بين لنا في المقال وفي الفعال ما يجب من حق المسلم على المسلم، ومعلوم أنّ أفضل عباد الله هم الصالحون، والله جل وعلا أثنى على بعض الأنبياء بأنهم صالحون، فالصالح من هو؟ الصالح هو القائم بحقوق الله وبحقوق عباده، فمن كان تقيا في حق الله؛ لكنه في حقوق العباد ليس بتقي فإنه ليس بصالح، وإن كان أثر السجود في وجهه وريقُه ناشف من أثر الصيام، فإن من قام بحق الله وحق عباده هو الصالح، ومن فرّط في حق الله فليس بصالح -يعني بشروطه المعروفة- ومن فرط في حق العباد ليس بصالح بشروطه المعروفة، ومما أمر الله جل وعلا به في حق المؤمنين فيما بينهم أن يقولوا التي هي أحسن في هذه الآية آية الإسراء ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، وهذه الآية جاءت بعد ذِكر قصة الشيطان وأنّ الشيطان أغوى المشركين حتى صاروا إلى الشرك وأنهم جعلوا لله جل وعلا شركاء وأمثال ذلك، والله جل وعلا حين أمر بذلك -بحقوق العباد المؤمنين فيما بينهم- أمر فيما بينهم أمر بأمر عظيم قال ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ قال العلماء: لا يُكتفى في امتثال الأمر بأن يقول كلمة حسنة حتى يقول أحسن ما يدري، ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ يعني المقالة التي هي أحسن ما يدري، وأما إنْ ترك ذلك في موطن الحاجة إليه فإن الشيطان سيدخل، ولهذا قال الله جل وعلا هنا ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ وهذا عند علماء الأصول والتفسير: يجري مجرى التعليل. فإنّ علة الأمر أن الشيطان ينزغ بين الناس، ولهذا يجب علينا أن نسعى في أن نقول القول الحسن، ولهذا لا يحسن فيما بين المؤمنين أن يُكثروا المِزاح وأن يكثروا المراء، وأن يكثروا رمي كلام بعضهم على بعض، وهذا يستهزئ بهذا، وهذا يقول بهذا كذا ونحو ذلك، وهذا ليس من أخلاق ممن يُرجى منهم أن يرفعوا الدعوة وأن يجاهدوا في سبيل الله، وليس من أخلاق المؤمنين بعامة كثرة المراء والمزاح والاستهزاء، حتى الاستهزاء في أصله لا يجوز.
إذا تقرّر هذا فمما يجب: أن تسعى للقول الأحسن في مقالك مع كل مؤمن سواء أكان موافقا أو كان مخالفا؛ لأن الحق لا يكون ظهورُه بالقول السّيئ إلا في حالة واحدة وهي في حالة المظلوم قال جل وعلا ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾[النساء:148]، فمن ظُلم بخصوصه فله أن يجهر بالقول السيئ انتصارا لما أُخذ من حقه، وهذا خلاف الأفضل، الأفضل أن يعفو وأن يصفح كما كانت عليه حال المصطفى .
فإذن هذه الآية فيها وصية عظيمة في أنْ نقول القول الذي هو أحسن ما يكون مع الموافق ومع من لا يوافقنا، إلا في حال الأمر والنهي، وفي بعض الأحوال الشرعية التي يتطلب الأمر فيها [إغلاط] للحق فهذا ليس داخلا في الباب لأن هذا له أصوله الشرعية، أما ما يجري فيما ترون وتمارسون فيما بين الناس هذا يجتمع مع هذا، هذا يرمي كلمة، هذا يرمي كلمة هذا يوغر الصدور ويفرق أهل الإيمان، حتى غدت الطائفة الواحدة طوائف بسبب اللسان؛ بسبب المقال، ونحن كيف نرجوا اجتماعا ونرجوا قوة ونرجو هيبة عند مخالفينا ونحن لم نتفق فيما بيننا؛ بل لم يعطِ أحدنا أخاه حقّه الواجب عليه، فهذا يقدح وهذا يقول.
بل العجب ما حكى لي بعضهم أنه قل أن تجتمع فئة قليلة إلا ونقدوا أو لمزوا بعض الإخوان، وهم لم ينصحوهم فيما بينهم أو لم يلتمسوا العذر لهم، أو إلى آخره، وهذا خلاف ما أمر الله جل وعلا به في هذه الآية ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾[الإسراء:53]، فيجب علينا أن لا نجعل للشيطان علينا مدخلا ونصيبا في التفريق وفي إيغار الصدور بعضها على بعض؛ لأن هذا من أسوإِ ما يكون بين المؤمنين، «سِباب المسلم فسوق، سباب المسلم فسوق، سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر».
نسأل الله جل وعلا أن يجعلني وإياكم ممن صلح وطاب قلبه، وصلح وطاب سمعه، وصلح وطاب بصره، وصلح وطاب لسانه.
اللهم اجعلنا من الصالحين المخبتين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
السائل: جزاك الله خيرا على هذه الكلمة الطيبة التي نسأل الله سبحانه وتعالى أن تكون لنا في طريق الهداية نورا ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يحفظنا وإياكم لما يحب ويرضى.
شيخنا الفاضل في قضية خاصة في مثل هذا الكلام الذي تفضلت فيه أن هناك من يحكم بالذنب؛ لأن الفتنة يحصل فيها أمور، فيظن أن هذا يقصد هذا أو هذا،، فيحكم في مسائل ظنية دون أن يتأكد، وهناك من ينقل الكلام ويقبله دون تثبت، فما هو القول في هذا. حكم الظن وكذلك القول...
الشيخ: أما هذا من حيث التأصيل فواضح في كلام الله جل وعلا وفي كلام رسوله وفي كلام الصحابة وكلام أهل العلم.
وإذا تكلمتُ إجابة فلا ينبغي تنزيلُها على واقع في ذهن المستمع، بل نؤصل التأصيل الشرعي، والتنزيل ليس مرادا؛ لأن التأصيل شيء والتنزيل شيء آخر؛ التأصيل له قواعده والتنزيل له أحكامه.
لهذا نقول: أما إساءة الظن وبناء الأمور على الظن فهذا منهي عنه، والله جل وعلا أمر بأن يُجتنب كثير من الظن فقال جل وعلا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾[الحجرات:12]، قال العلماء: الظنُّ أكثره منهي عنه. يعني أن يحكم بالظن، ومأمور بأن يجتنب إلا في البيّنات التي تكون عند القاضي، والفقه فإن الفقه مبني على الظن في أكثر مسائله كما هو مقرر في الأصول، وحكم القاضي مبني أيضا على الظن كما هو مقرر في الفتوى والقضاء.
ولهذا قال عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح «لَعَلّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فأحكم له، فإنما أحكم عَلَىَ نَحْوِ مّا أَسْمَعُ فمن حكمتُ له -أو قال: قضيت له- مِنْ حَقّ أَخِيهِ شَيْئاً فَإِنّمَا هو قِطْعَةٌ مِنَ النّارِ فليأخذ أو فليدع».
فالآية فيها النهي عن الظن وفيها الأمر باجتناب الظن، وقال ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ لأنّ بعض الظن مطلوب عند القاضي وعند المجتهد، وهنا إنما يحكم بما يَظن أنه لا يتيقن به؛ لأنّ التيقن الكامل –اليقين- هذا صعب أن يكون دائما.
إذن فيما بين الناس في فلان مع فلان يظن أنه كذا لكلمة سمعها منه، يظن أنه كذا بفعل فعله، معلوم أنّ الكلمة لها احتمالات، والفعل الواحد له احتمالات، ربما رأيتَ شيئا ويكون هناك عدة احتمالات، النبي عليه الصلاة والسلام رُئيت معه صفية فأطرقا الصحابيان، فَقَالَ النّبِيّ عليه الصلاة والسلام «عَلَىَ رِسْلِكُمَا. إِنّهَا صَفِيّة»، فَقَالاَ: سُبْحَانَ اللّهِ يَا رَسُولَ اللّهِ، قَالَ: «إِنّ الشّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ الإِنْسَانِ مَجْرَىَ الدّمِ. وَإِنّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَرّاً» فيجب أن لا يُساء الظن بمسلم لم تظهر عليه أمارات اليقين بما هو عليه، بل الأصل في المسلم أن يحسن الظن به فيما قال وفيما فعل( ) وأن يجتنب الظن السيئ في المسلمين، ولهذا روى الإمام أحمد في الزهد وغيرُه أنّ عمر رضي الله عنه قال –أيضا تنسب إلى غير عمر رضي الله عنه– قال: لا تظنَّنَّ بكلمة خرجت من أخيك سوءا وأنت تجد لها في الخير محملا. كذلك في الأعمال، ما في الأقوال وما في الأعمال يُجتنب الظن، وإذا كان الظن الذي يخطر بالبال لا يجوز؛ لأن الظن في النفس يعني في القلب، فكيف بالظن الذي ينبني عليه أفعال وتصرفات، فلا شك أن هذا أعظم حرمة، فالظن الذي تعتمد عليه وتبني عليه تصرفك معه وتبني عليه نقلك لآخرين رأيك في فلان بناء على ظنٍّ ظننته في قوله أو على ظنِّ ظننته في فعله فهذا لا يجوز حتى يكون برهانٌ بيِّن؛ يكون بيِّن، إما بكلام يُسمع منه لا يحتمل، أو بكلام يحتمل فيُستفصل منه فيقول أنا كذا مما هو لا يجوز، أو بكلام كتبه لا يحتمل أو بكلام كتبه يحتمل فاستفصل منه فقال: أنا أريد كذا.
ولهذا عند الأصوليين الدِّلالات متنوعة ومنها الدلالة الحمْلية، والدلالة الحملية التي يُحمل عليها الكلام، فيقال: إنّ الكلام إذا أُفرد كان له معنى، وإذا حُمل بعضه على بعض كان له معنى. فيُنظر في الكلام ما يحمل عليه بسياقه وبلحاقه، فإذا كان يوضح المراد فيُبين ذلك.
وهذا أخطأ فيه بعض المعاصرين فظنوا أنّ الكلام يجب أن يكون صوابا في أفراده وفي حمله، وهذا ليس بواجبٍ مطلقا؛ لأن الكلام يفسّر بعضه بعضا.
ولهذا نقول: الحكم على الناس، الحكم على الأشياء بناء على الظن لا يجوز شرعا؛ بل لا بد أن يكون على اليقين إلا من كان أصله يعني الظن فيه لأصل ما هو عليه، فهذا الأصل يتبعه فروعُه. نعم
السائل: النقل من غير تثبت؟
الشيخ: أما النقل من غير تثبت فالله جل وعلا كرّهه في قلوبنا بِجَعْل الناقل من غير تثبت فاسقا، ويكفي في هذا ما يحمل القلوب على كُرهه فقال جل وعلا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ -وفي القراءة الأخرى ﴿فَتَثَبَّتُوا﴾- ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾[الحجرات:6]، فجعل صفة الذي ينقل بلا تثبّت جعله فاسقا، وهذا مما جعل هذا الفعل يَكْرَهُهُ كل من في قلبه إيمان لأنه آمن ليخرج من الفسوق، ولهذا سبيل الخلاص من ذلك أن تنقل ما يُحتاج في نقله شرعا، وما لا يحتاج إليه فاكتمه، و«من حدّث بكل ما سمع فهو أحد الكاذبَيْن أو أحد الكاذِبين» «وكفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع» كما ثبت في الأحاديث، لهذا ما تسمعه يجب أن لا تنقله؛ لأنك قد تتعرض للإثم إلا في ما المصلحة الشرعية في نقله وما المصلحة الشرعية في نقله أحد ثلاث صور وهي الجائية في سورة النساء ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾[النساء:114]، فمن نقل قولا لا يريد به الصدقة بمفهومها الواسع، ولا يريد به المعروف، ولا يريد به الإصلاح بين الناس، فإنه ليس على خير؛ بل هو آثم بما نقل وإن خرج سالما فإنه لا يخرج في المرة الأخرى سالما.
ولهذا على كل محبّ لنفسه ولنجاتها ألاّ ينقل إلا ما هو يقينٌ جدًّا مما سمع وما هو يقين ينقل منه ما هو داخل في أحد الثلاثة هنا قال ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ﴾ هذه فيها خير الثلاث، وغيرها قد يكون مباحا وقد يكون إثما وهو الأكثر.
'>السائل: الشيخ بارك الله فيك فيه قضية كثيرا حولها الجدل قضية الهجر.
فالسؤال: متى يُهجر المبتدع ومن الذي يحكم بالهجر؟
الشيخ: ينبغي أن يكون السؤال: ومن هو المبتدع أيضا؟ لأنّ من الذي يحكم بالبدعة أوْلى من الذي يحكم بالهجر.
أما حكم الهجر فهو: الهجر مشروع والنبي هجر الثلاثة الذين خُلِّفوا -كما تعلمون- هجرهم شهرا أو أكثر فدل على مشروعية الهجر؛ يعني لأجل الدين، لأجل الشرع، لأجل المصلحة الشرعية للمهجور، والنبي عليه الصلاة والسلام كانت حاله مع العصاة في عهده ومع المنافقين ومع المشركين متنوعة، فالذين هجرهم هم بعض العصاة وليس كل عاصٍ يُهجر؛ بل بعض أهل المعصية هو الذي يُهجر، وكذلك المنافقون لم يهجرهم عليه الصلاة والسلام، والمشركون الذين قدموا عليه -عليه الصلاة والسلام- لم يهجرهم، والنّصارى أيضا الذين قدموا عليه لم يهجرهم، فدلّ على القاعدة التي قعّدها أهل العلم والأئمة من المحققين وقرّرها شيخ الإسلام ابن تيمية في مواضع بأن الهجر تبع للمصلحة الشرعية، وإنما يُهجر من ينتفع بالهجر، وأما من لا ينتفع بالهجر فإنه لا يُهجر؛ لأن الهجر تعزير إصلاح، فإذا كان التعزير غير نافع فإنه لا يُشرع؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لم يَهجر الجميع.
والهجر قد يكون عمل، قد يكون بقول، قد يكون بترك السلام، ترك رد السلام، وقد يكون بعمل؛ ترك دعوته أو ترك إجابة دعوته إلى آخر ذلك، فهذا مقيد بمن ينتفع به. </span><span style='color:#FFFF00'><span style='color:#0000FF'>المسألة الثانية: من الذي يحكم بالبدعة؟
البدعة حكم شرعي، والحكم على من قامت به بأنه مبتدع هذا حكم شرعي غليظ؛ لأن الأحكام الشرعية تبع الأشخاص: الكافر، ويليه المبتدع، ويليه الفاسق، وكل واحدة من هذه إنما يكون الحكم بها لأهل العلم؛ لأنه لا تلازم بين الكفر والكافر، فليس كل من قام به كفرٌ فهو كافر، ثنائية غير متلازمة، وليس كل من قامت به بدعة فهو مبتدع، وليس كل من فعل فسوقا فهو فاسق يعني في نفس الأمر، قد يُقال إنه كافر ظاهرا باعتبار الظاهر، وفاسق ظاهرا، ومبتدع ظاهرا، لكن هذا لا يعني إطلاق الحكم، فالتقييد بالظاهر غير إطلاق الحكم كما هو مقرر في موضعه.
فالحكم بالبدعة وبأنّ قائل هذا القول مبتدع أو أن هذا القول بدعة ليس لآحاد من عرف السنة، وإنما هو لأهل العلم؛ لأنه لا يُحكم بذلك إلا بعد وجود الشرائط وانتفاء الموانع، وهذه مسألة راجعة إلى أهل الفتوى لأنّ اجتماع الشروط وانتفاء الموانع من صنعة المفتي.
لهذا لا ينبغي؛ بل لا يجوز التجاسر على الحكم بالبدعة على من لم يحكم عليه أهل العلم الرّاسخون فيه بأنه مبتدع؛ بل يصار إليهم فيما قالوا وفيما تركوا، ومن حكم فهذا اجتهاد منه، إن كان من أهل الاجتهاد فهو له ولكن لا يتابع عليه يعني يعذر فيه لكن لا يتابع عليه؛ لأن التبعية إنما هي أولي أهل العلم الراسخين فيه، وإن كان من غير أهل الاجتهاد فقوله مردود عليه ويصبح اجتهادا في غير محله.</span></span>السائل: الشيخ أثابك الله، بالنسبة للصحابي الذي قال عند الرّفع من الركوع: ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، شيخ هذا أقره النبي صلى الله عليه وسلم مع أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يقله، مع أن هذا الصحابي دعا لكنه أقره، فهل يسوغ للمسلم أن يُثني على الله سبحانه وتعالى بثناء جميل في مثل هذا الموضع؟
الشيخ: الأذكار في الصلاة متنوعة مختلفة، ففي عهده عليه الصلاة السلام هو عهد التشريع، فقد يبتدئ أحد الصحابة قولا يجتهد فيه أو فعلا يجتهد فيه، ولأنّ الزمن زمن تشريع فهو إما أن يُقَرَّ عليه وإما أن لا يقر عليه، فإن أُقر عليه صار تشريعا وإن لم يقر عليه صار ليس من الشرع، فمن الأقوال الذي ذكرتَ في هذه الحالة، وثناء عمر في أول الصلاة أيضا في الاستفتاح، وفعل عمر أيضا في موافقاته المعروفة.
فإذن نقول هذا يُحمل على أنّ الزمن زمن تشريع، والنبي يُقر ويشرع هذا من جهة.
ومن جهة أخرى فإنّ الثناء على الله جل وعلا في هذا الموطن بحمده مطلوب؛ لأنّ الإمام يقول سمع الله لمن حمده، هذا حمِد فأتى بالواجب ثم زاد حمْدا خاصا، فهو من النّفل في الدعاء، ومعلوم أن النّفل في الدعاء يعني زيادة على الواجب في الأذكار في الصلاة هذا للمرء أن يزيد فيه، وإن كان الأفضل أن يتقيّد بالوارد.
وأيضا يقال هذا في بعض الروايات قالها بعد أن عَطس، فعطِس ثم حمد الله بهذا الحمد.
فالمقصود أن إيراد هذه لا إشكال فيه، وأنّ المسلم ليس له أن يبتدئ ثناءً على الله جل وعلا في الصلاة يستعيض به الثناء الوارد، لكن إذا أتى بما ورد ثم بقي وقت له أو أراد أن يطيل فيُثني بما هو من جنسه فلا بأس بذلك؛ لأنه نفل أو ثناء بعد الإتيان بالوارد، فيقول مثلا: ربي اغفر لي، ربي اغفر لي، ربي اغفر لي بين السجدتين، ثم يزيد ما شاء من الدعاء، يقول: سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي الأعلى. ثم يزيد على التسبيح أو من الدعاء بما ورد أو بما لم يرد، فلا شك أن الأفضل دائما هو الوارد؛ لأن فيه من كمالات المعاني وحسن الألفاظ والمباني ما ليس في دعاء غير المصطفى .
السائل: بارك الله فيك بعض الناس يسدلون بالأحاديث العامة على أشياء مخصوصة فمثلا الذكر عام وأمر مستحب؛ لكن يقول عند الصلاة لا إله إلا الله ألف مرة ويلتزمون هذا الفعل، وإذا قلت لهم ما الدليل في هذا؟ يذكرون أدلة عامة والذكر أمر مطلوب،...؟
الشيخ: لا شك أنَّ الذكر مأمور به فقد قال جل وعلا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا(41)وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾[الأحزاب:41-42]، وقال جل وعلا ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾[الأحزاب:35]، وهذا الأمر بذِكره يكون مطلقا ومقيدا؛ فهو مطلق بالنسبة للأزمان وبالنسبة للعبادات مقيد، وكما أنّه لا يجوز لأحد أن يقول لا إله إلا الله ألف مرة في السجود أو في الركوع؛ لأنه خرج بذلك عن رسم الشريعة مع دخوله في العموم، فكذلك لا يجوز له أنْ يأتي بذكر في موطن جاء في السنة بالذِّكر فيه على نحو معين بخلاف ما جاء في السنة.
لهذا نقول هذه العمومات أو المطلقات بالآيات، ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾[الأحزاب:41] هذا ذكر مطلق؛ لأن النكرة في سياق الأمر تدل على الإطلاق لا العموم، وهذا الإطلاق يكون إطلاقا في الأزمنة وإطلاقا في العبادات؛ يعني يحتمل هذا أو هذا أو هما جميعا، فنقول هذا بالنسبة للأزمنة صحيح ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ للأزمنة؛ لأنّه لا مقيد له، وأما في العبادات قد قُيدت، قُيدت الصلاة بأذكار خاصة فلا يعمل بالإطلاق لأن المقيد محكوم به على المطلق، كذلك ما جاء في الصلوات لا يحكم بالمطلق لأن المقيد محكوم به على المطلق كما هو مقرر في الأصول، هذا مأخذ.
والمأخذ الثاني أن يقال إن الأمر بذكر الله جل وعلا وبتسبيحه امتثله النبي عليه الصلاة والسلام، ومن المتقرر عند الأصوليين أن امتثال الأمر يخرجه عن عمومه يخرجه عن إطلاقه فقوله جل وعلا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾[المائدة:6]، هذا أمر لأنه إذا قمنا إلى الصلاة فعلنا ذلك، ومعلوم أنه عليه الصلاة والسلام قام إلى بعض الصلوات ولم يفعل هذا، فدلنا على أن ما أمر فيه بقول أو بفعل مطلق وجاءت السّنة بتقييده بالمقال أو بتقييد في الفعال فإنه يخرج عن إطلاقه ويصار على المقيد.
وهذه شبهة هي شبهة أهل البدع، فكل صاحب بدعة جاء بدعة الأذكار أو بدع الصلوات أو إلى آخره جاء من جهة العمومات، فظن أن العمومات الواردة في فضيلة الصلاة أو فضيلة الذكر أو إلى آخره يدخل فيها كل الصور التي أرادوها، هذا غير صحيح وغير لائق شرعا وكذلك الأصول -أصول الفقه- لا تقضي به إذن ترده.
وذَكَرَ ابن الحاج في المدخل، بهذه المناسبة ذكر ابن الحاج في المدخل قصة عن أحد مشايخ المغرب وكان كثير الذكر يسبح بعد كل صلاة مائة ويحمد مائة ويهلل مائة بعد الصلوات؛ في أدبار الصلوات المكتوبة، ويجتهد اجتهادات مثل هذه، فترك ذلك إلى ما جاء به السنة فقيل له: لم؟ فقال: رأيتُ رؤيًا جعلتني أترك ذلك. فقالوا له: ما الرؤية؟ فقال: رأيتُ أنّ القيامة قامت وأن مناديا من الرحمان جل وعلا نادى وقال: أين أهل البر فليأتوا ليأخذوا أجورهم. قال: فأتى أناس كثير وأنا معهم، فأصبح يسمّع: فلان ويعطى أجره، وفلان ويُعطى أجره، و فلان ويعطى أجره، وبقيتُ، فقلت: أنا من أهل الذكر ولم أُعطَ أجري. فقال لي الملَك: ما كنتَ تقول؟ قال: فحكيت له ما كنت أقول. فقال الملَك لي: ليس لك عندنا شيء، ما على هذا رَسْمُ صاحب الشريعة. قال: فتركتُ الاجتهاد في الأذكار بغير ما وردت به السنة إلى ما وردت به السنة.
ومعلوم أن الرؤى مبشرات للمؤمن أو محذرات.
السائل: أحسن الله إليكم يا شيخ، لا شك يا شيخ أن أمر الهجر أمر مشروع، وأنه يتوجب في بعض الأحيان، لكن يا شيخ هل يجوز تطبيق هذا الحكم على إنسان عُرف بالمنهج بالسلفي ودعوته للعقيدة الصحيحة وتطبيقه والدعوة إليه والتدريس في هذا الباب، ولكن بدر منه بعض الفتاوى لكن خالف فيها كبار العلماء مثل قضية المظاهرات وجواز الاغتيالات في بعض الأمور، والاعتصامات والاضرابات، هل يحكم عليه بالهجر ويطبق هذا عليه، أو هل نقول أحضروا دروسه خاصة العقدية منها؟
الشيخ: أظنك يا أخي نسيت شرطي في أول اللقاء بأنْ لا أُسأل عن شخص، فنحن نتكلم في العلم، والسؤال عن شخص قد يكون سؤالا عن اسمه أو سؤالا عن صفة يتشخص بها فلان دون غيره، وأنا لا أتكلم في هذا لأن مثل هذه الأمور ميدانها النصيحة، لا ميدانها السؤال والجواب في مثل هذه المجالس.
السائل: شيخ هنا مسألة: وهي بعض المرضعات تحاول أن ترضع رضيعها من صدرها ولكن تخشى مثلا تنشغل في دراسة أو في وظيفة أو كذا، فتبدأ تدرّبه وتعلمه على العيش بالمرضعة الصناعية، هل تأثم بهذا الفعل؛ يعني إذا كانت مقصودها بذلك مخافة أن تتوعك صحتها؟
الشيخ: الله جل وعلا حثّ على الإرضاع في حولين فقال سبحانه ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾[البقرة:233]، فدلت الآية على شيئين:
الأول: على أن الإرضاع لمدة حولين هذا متروك للوالد ومتروك للوالدة، متروك للأب وللأم، فإنْ أراد الرجل وأرادت المرأة أن يتم لهما ذلك، وإن أرادا أن لا يتما فليسا عليهما جناح لقوله ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾.
والفائدة الثانية: قوله ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ فدلّ على مشروعية الإرضاع.
والإرضاع الأصل فيه أنه مستحب وليس بواجب، وإنما يجب في حال احتياج الولد للبن الأم وأنه لو ترك لبن الأم لأصابته مضرة، فهنا يجب على الوالد أن يرضعه، على الوالد يجب أن يرضعه، بإلزام المرأة فإنْ لم يتيسر بأن يبحث له عن مرضعة بأجر كما في آخر الآية.
والمرأة يجوز لها أن تترك الإرضاع بلا كراهة إذا كانت بها حاجة لذلك؛ إما عمل تحتاجه، وإما راحة ترتاح بها لأجل صحتها، وإما لعدم حاجة الصغير لذلك أو ما أشبه ذلك.
فإذن الأصل الإرضاع مستحب وقد ينتفي الاستحباب في مواضع، وقد يجب في مواضع، قد يجب في حالٍ ذكرتُها، ولهذا ما سألت عنه لا حرج عليها في ذلك.
السائل: بارك الله فيك، الجنازة إذا صلّي عليها ودفنت هل يجوز أن نصلي عليها في القبر؟
الشيخ: نعم الصلاة على الميت بعد أن يدفن جائز ومشروع، فالنبي عليه الصلاة والسلام صلى على قبر بعد ما دفن في أكثر من حالة، فمنها ما رواه البخاري ومسلم أن امرأة كانت تقمّ المسجد وفقدها عليه الصلاة والسلام فسأل عنها فقيل له إنها ماتت، فقال «هلا آذنتموني -يعني أعلمتموني- دُلُّوني على قبرها» فدلوه على قبرها، فذهب النبي عليه الصلاة والسلام إلى قبرها فصلى عليها.
والعلماء اختلفوا مدة الصلاة على القبر، كم؟
منهم من قال إلى شهر لحديث مرسل رواه الترمذي أنه صلى عليه الصلاة والسلام على قبر بعد شهر.
ومنهم من قال ما لم ينشف القبر يعني في يوم أو يومين.
وكل هذه التقييدات لا معوَّل عليها، وإنما مشروعية الصلاة لمن لم يصلِّ عليه، فمن لم يصل عليه وأتى للبلد وأُعلم بذلك أو لم يعلم بالصلاة عليه فعلم فله أن يذهب وأنْ يصلي عليه؟
...هنا المسألة هل هي صلاة جنازة أم هي دعاء؟ اختلف فيها العلماء لأن هؤلاء شهداء، والأصل في الشهيد أن لا يصلى عليه النبي عليه الصلاة والسلام ترك الصلاة عليهم بعد أحد -وليس هم شهداء القليب هم شهداء أحد- ترك الصلاة عليهم، ثم لما بعد سبع سنين أو ثمان سنين وقبل وفاته عليه الصلاة والسلام بأشهر ذهب وصلى عليهم، ولم تُنقل صفة الصلاة، ولهذا اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
منهم من قال هذه نسخ لعدم الصلاة على الشهيد، وهذه معناها مشروعية الصلاة على الشهداء.
ومنهم من قال هذه الصلاة تفيد الجواز جواز أن يصلى على الشهيد
والقول الثالث أنّ هذه ليست بصلاة، والشهيد لا يصلى عليه، ولكن دعاء ووداع.
وأيّد هذا الثالث وهو الصحيح قوله في الحديث الذي في البخاري قال (كالمودّع لهم)، كالمودع لهم، ومعلوم أن المودع يودع بكلام لا بصلاة، فَقَوَى هذا على أنه لم يصلي عليهم صلاة الجنازة المعروفة، وإنما كان دعاء.
وهناك أيضا بحث لما جاء في بعض الروايات ما يخالف هذا.
السائل: نشكر للشيخ الله سبحانه وتعالى على هذا اللقاء، وفي الحقيقة جلسة الله سبحانه وتعالى أكرمنا بها له الحمد والمنة قبل ختامنا في هذه الجولة وفي هذه الرحلة، ونسأل الله عز وجل أن ينفعنا الله سبحانه وتعالى بها، وإن شاء الله نودعك ونرجو من الله سبحانه وتعالى أن نلتقي بك وبالمشايخ الموجودين هنا مرة ثانية، ودعوتك مفتوحة إلى الكويت، نسأل الله سبحانه وتعالى أن تجد قبول عندك.
في الختام نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى وأن ينفعنا بعلمكم وأن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبعون أحسنه وجزاكم الله خير الجزاء.
الشيخ: أنا أشكر الله سبحانه وتعالى لكم، وأسأله سبحانه أن يثيبكم على هذه الرحلة العلمية التي أرجو أن تُحسب لكم خطواتكم فيها أجرا وحسنات وثوابا، وأن لا يكلكم الله جل وعلا إلى أنفسكم.
كما أكرر الوصية بالتؤدة والرفق في الأمر كله، كما قال عليه الصلاة والسلام «إنّ الرّفق ما كان في شيء إلا زانه ولا نُزِع من شيء إلا شانه»، وقال أيضا عليه الصلاة والسلام «إنّ الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف»، وقال عليه الصلاة والسلام أيضا لعائشة «يا عائشة إنّ الله يحب الرفق في الأمر كله»، وهذا يدلّ على شُمول الرفق لكل شيء للأفكار وللحركة وللأقوال وللأعمال، فمن كان رفيقا كان أحْرى بمحبة الله جل جلاله.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
للشيخ
صالح حفظه الله تعالى
بن عبد العزيز آل الشيخ
[شريط مفرّغ]
آخر تعديل: 02/01/1425هـ
[لقاء ببعض طلبة العلم من الكويت]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله حق الحمد وأوفاه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ومصطفاه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.
أما بعد:
فأرحب بالأخوة أكمل ترحيب وأجمله، ويسرني أن يكون هذا اللقاء المقصود منه التواصل وتدعيم المحبة، وأن يكون هناك فوائد من اللقاء لأن اللقاء يستفيد منه الطرفان؛ فأستفيدُ منه وربما تستفيدون أيضا؛ وذلك لأن التقاء الشباب وطلبة العلم والتقاء الحريصون على الدعوة في البلاد الإسلامية والبلاد العربية وأهل الجوار بخصوصهم فيه فوائد كثيرة -غير الفوائد الشرعية المعروفة-:
ففيه تقوية الصلة بما فيه تكاتف الجهود في الدعوة الواحدة.
وأن يكون هناك معرفة بمن يقوم بجهد.
لأنّ الأصل في المؤمنين أن يكونوا جسدا واحدا، وهذا الجسد الواحد يقوم بالمهمة فيه كل عضو من أعضائه، فنحن ننظر إلى الدعوة إلى الله جل وعلا على منهج السلف الصالح أنّ أهلها فيها سواء، في المملكة، أو في الكويت، أو في الهند، أو في المغرب، أو في الشمال، أو في الجنوب، فالكل فيها سواء من جهة وَحدة الهدف ووَحدة المنهج، وأن العمل لشيء واحد.
وبالتالي فالتنسيق في الجهود والعمل وأنْ يكون المنهج واحدا والهدف واحدا والطريق واحدة ييسر على أن يكون الجميع على تواصل مستمر وعلى أن لا تتكرر الجهود؛ لأننا نرى أن مشكلة اليوم في الذين يعملون باسم الإسلام على منهج صحيح أنهم غير مرتَّبين؛ جهودهم مكررة، وأعمالهم ربما كرر بعضها بعضا وربما تنافسوا في غير مجال التنافس.
ولهذا نقول في هذه اللقاءات فتح باب التنسيق، وفتح باب التواصل، وأن يكون العمل مرتبا، وأن يكون أصحاب الدعوة السلفية الحقة على طريقة واحدة غير متنازعين ولا مختلفين ولا متنافسين في غير ما يكون التنافس المأذون به فيه.
مما ينبغي التواصي به في هذا الباب: أنَّ الأصل في الشريعة أنها جاءت لإخراج المكلف عن داعية هواه، كما قال الشاطبي رحمه الله في الموافقات: الغرض من الشريعة إخراج المكلَّف عن داعية هواه. يعني أن يكون فيما يأتي وفيما يذر ويَعظم الأمر بعظم القضية التي يأتيها؛ أن يكون على وَفق الشرع وأن يطرح هواه جانبا، والهوى بمعنى الرغبة، أن يطرح رغباته جانبا، وأن ينظر فيما تدلّ عليه الشريعة في النص من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو كلام الصحابة الذي لا خلاف فيه، أو ما عليه أئمة أهل السنة والجماعة ودوّنوه في عقائدهم.
وهذا يجعل المنهج منهجا واحدا؛ لأنّ تعاطي ما ذكرت بإخراج نفسك عن داعية الهوى يجعل الطريق واحدة؛ لأن الكتاب والسنة وإجماع السلف وهدي الصحابة المتّفق عليه وما قاله أئمة أهل السنة والجماعة لا يختلف، هو شيء واحد.
وإنما يأتي الاختلاف من دخول الرغبات التي ربما خرج بها أصحابها عمّا دلت عليه النصوص في الكتاب والسنة.
وهذا هو مدلول قول الله جل وعلا ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾[الأحزاب:36]، وقول النبي «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئتُ به»، وهذا أمر معروف، فإنّ الشريعة لا تستقر في القلب حتى يوطن المرء نفسه على تحكيم الشرع في نفسه قبل أن يطالب الآخرين بأن يحكموه.
والشريعة -الكتاب والسنة- فيها وصايا تهمنا في هذا الأمر ونأخذ منها ثلاث وصايا:
الأولى: وحدة السبيل وهي التي جاءت في قوله تعالى ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾[الأنعام:153].
والثانية: في قوله تعالى ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾[الأنفال:1].
والثالثة: في قوله جل وعلا ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾[الإسراء:53].
أما الأولى
فإن السبيل -سبيل الحق والإيمان- واحدة غير متعددة، يعني في أصولها، الأصول واحدة غير مختلفة، وما يسوغ الاجتهاد فيه هذا لا يخرج المجتهدين عن الطريق الواحدة، فقوله تعالى ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ يعني فاتبعوا هذا الصراط الواحد، ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾، وهذا السبيل الواحد ميادينه شتى كثيرة، كل واحد منا لو عمل في واحد منها لاستغرق جهدَه، فسبل الله جل وعلا التي هي في داخل ذاك الحديث من الطاعات والعبادات والأعمال الصالحة متعددة، كما قال جل وعلا ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾[العنكبوت:69]، قال العلماء قوله ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ يعني السبل التي في السبيل الواحد وهي سبل الطاعات والاتباع في الخيرات، فهي متعددة، وكلٌّ يأخذ بما فتح الله جل وعلا عليه فيه، ولهذا لما قيل للإمام مالك رحمه الله تعالى: أنتَ مالك بن أنس الذي إليه [يَرْنُ] الناس بأبصارهم، نراك مختصرا على العلم، ونراك ضعيفا في غيره؛ فلست من أهل الجهاد ولا المرابطون في الثغور ولست كذا ولست كذا.
فقال مالك رحمه الله بفقهه وعظيم علمه: يا فلان إنّ الله جل وعلا فتح لبعض عباده سبيل الصلاة فتعبَّدوا بها –يعني النفل-، وفتح لبعض عباده سبيل الصدقات فتعبدوا بها، وفتح لبعض عباده سبيل الجهاد فتعبدوا به، وإنّ الله جل وعلا فتح لي باب العلم فرضيتُ بما فتح الله لي.
وهذا يجعل كل من يروم نُصرة هذا الدين أن يكون في تكاملٍ مع إخوانه، وأنْ لا يُظن أنّ الجميع من المسلمين يجب أن يكونوا شيئا واحدا؛ أنْ يكونوا جميعا طلبة علم، أو أن يكونوا جميعا أهل حركة، أو أن يكونوا جميعا أهل أسْفار، أو أن يكونوا جميعا أهل كذا، هذا غير متعين، والشريعة كما نعلم حضّت على أنواع كثيرة من العبادات ومن أتى ببعض النوافل لا يُلام أن ترك بعضها؛ لأن الله جل وعلا قَسَم بين الناس أخلاقهم وأرزاقهم.
لهذا نقول هذه الآية فيها فوائد، الفائدة الأولى فيها: أنّ سبيل الحق واحد غير متعدد، كما قال ابن القيم رحمه الله في نونيته:
فلواحد كن واحدا في واحد أعني سبيل الحق والإيمان
هذا السبيل الواحد نحن نتكامل فيه، بعضنا يرتبط ببعض فيه ولا يلوم بعضنا بعضا فيه إذا كان على السبيل الواحد الذي هو سبيل الحق والإيمان، فمن كان على منهج السلف الصالح وعلى سبيل السنة فإنه من أتى ببعض ما يجب عليه، ببعض ما يستحب له، وببعض الواجب الكفائي، وترك بعض الواجب الكفائي لغيره، فإنه لا يلام، وكذلك من أتى ما يستطيعه وما فتح له فيه من أنواع الجهاد أو الدعوة أو الخير فإنه يُعان على ذلك، فنحن نتكامل في هذا ونسعى فيه، وهذا يُرتِّب أن يكون هناك معرفة بالطاقات -طاقات الشباب- وما يتميز به كل واحد:
فمنهم من يكون متميزا في العلم فيُحث عليه ويشجع فيه حتى ينشره في الأمة.
ومنهم من لم يفتح له باب العلم فيحث على ما يتميز فيه؛ لأن الله جل وعلا يحب إذا عمل أحدنا عملا أن يتقنه كما جاء في الحديث الحسن «إنّ الله يحب إذا عمل أحدُكم عملا أنْ يتقنه».
الوصية الثانية
هي في قوله جل وعلا ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾[الأنفال:1]، فهذه اشتملت على ثلاثة أوامر:
الأول: تقوى الله جل وعلا، وأعظم ما تكون به التقوى الإخلاص؛ أنْ يكون الله جل وعلا هو المقصود وحده وأن تُخرج الدنيا بأنواعها من المال والجاه والذِّكر حتى السمعة بين الإخوان أن تخرج من القلوب، وأنه إذا رضي الله جل وعلا عن العبد فإن هذا يكفي، وإذا علم الله صنع العبد فإن هذا يكفيه ولو لم يطلع عليه أحد. فالتقوى تحصل في إخلاص القلب لله جل وعلا فمن وطّن قلبه على الإخلاص لله حصلت له التقوى تبعا؛ يعني حصل له اتقاء العذاب من فعل الأوامر واجتناب النواهي.
فقد فسر طلق بن حبيب التقوى كما هو معلوم بأن التقوى بأن تعمل بطاعة الله ”تقوى الله: أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخشى عقاب الله“. لكن أهمها الإخلاص أنْ لا ترائي أحدا وأن لا تطلب الثناء من أحد، وإنما تعمل لله جل جلاله ولو لم يعلم بك أحد.
وما أحسن فعل الربيع بن خُثيم التابعي المعروف العالم الجليل الفقيه الزاهد تلميذ ابن مسعود رضي الله عنه، حيث طلب من أهله مرة أنْ يصنعوا له طعاما من أفخر الطعام ومن أحسنه في الكوفة، فصنعوا له ذلك، فلما أتوه به أخذ الإناء وذهب به إلى رجل في الكوفة أعمى لا يُبْصر، وأصم لا يسمع، وأبكم لا يتكلّم، فطرق عليه الباب وأتاه بهذا الطعام فجعل يعطيه الطعام لقمة لقمة، والربيع يتبسم ويتهلهل وجهه فرحا، فلما خرج قال له بعضهم: لِمَ صنعت هذا؟ هذا رجل لا يسمع ولا يبصر ولا يتكلم. فقال الربيع مُغْضَبًا: ولكن الله يسمع ويبصر سبحانه وتعالى. يعني لا يريد ثناء من هذا ولا ذكرا به؛ لكنه أراد به ما عند الله جل وعلا.
والعمل الصالح المخلص يبقى فلو لم يعلم به أحد يخرجه الله جل وعلا، وهذا كثير في الناس تجد أن العمل الخالص الصادق يُخرجه الله جل وعلا ويثني العباد على العبد بعمله الصالح الخالص إذا اطلعوا عليه وأخرجه الله جل وعلا بذلك.
فإذن صلاح القلب هو أساس ما نقوِّم أنفسنا عليه؛ لأن القلوب إذا كانت مريضة من جهة الإخلاص ما يُرجى منها، ما يرجى منها خير، إذا كان فيها نزعات وجاه وشهرة والدنيا والمال والثناء والرياسة فإنها ما يرجى منها خير، بل الواجب أن يوطِّن الخاصة أنفسهم قبل أن يطالبوا العامة بأن يخلصوا من قلوبهم حب الدنيا، إذا خرجت الدنيا من القلوب حصلت للعبد فتوح من الخير العلمية والعملية، والله جل وعلا رقيب العباد مُطَّلِع على العبد.
والثانية في الآية: هي الوصية في إصلاح ذات البين ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾[الأنفال:1]، وإذا كان كما هو معروف في سبب النزول أنه لما اختلفوا على الأنفال في غزوة بدر وحصل بين بعضهم وبعض كلام، وهذا يخطِّئ هذا وهذا يخطئ هذا، فأمر الله جل وعلا بتقواه وبإصلاح ذات البيْن وطاعة الله جل وعلا وطاعة رسوله في فتنة الأنفال وتركها لله جل وعلا ورسوله ، فدل هذا على عظم هذا الأمر وإصلاح ذات البيْن، فإنّ المرء أعظم ما يتقرب به في الحقوق العامة للناس أن يسعى في إصلاح ذات البين قد ثبت في الصحيح صحيح مسلم بن حجاج رحمه الله تعالى أن النبي قال «يُغفر لكل مسلم يشهد أنْ لا إله إلا الله وأنّ محمدا رسول كل يوم اثنين، إلاّ رجل كانت بينه وبين أخيه خصومة، فيُقال أَنْظُرُوا هَذَيْنِ حَتّىَ يَصْطَلِحَا، ارْكُوا هَذَيْنِ حَتّىَ يَصْطَلِحَا» يعني أخروا هذين فلا تُغفر لهم الذنوب حتى يصطلحا، ولهذا من أسباب مغفرة الذنوب إصلاح ذات البيْن وأن لا يكون بينك وبين أحد من أهل الدنيا -أحد من المسلمين- شحناء بسبب الدنيا، أما إذا كانت بسبب حق الله جل وعلا هذا فيه تفصيل كما هو معروف في باب الهجر.
وأما أن يتخاصم اثنان ولا يسلم هذا على هذا لأجل أن هذا غمزه مرة بكلمة وهذا مرة قدح فيه في مكان بكلمة ونحو ذلك، فهذا ليس من صنيع أهل الإيمان أن يتهاجروا في الدنيا، بل إذا حصل الهجر الشرعي فإنه يكون بشروطه ودواعيه المأذون بها شرعا.
والمسلم لا يحلُّ له أن يهجر أخاه المسلم فوق ثلاث؛ يعني لأمر من أمور الدنيا، لك إذا اعتدى عليك في عرضك أو أخطأ عليك في نفسك وسمعتَ هذا منه أو حصل بينك وبينه خصومة أن تهجره لحق نفسك ثلاث؛ إلى ثلاث فقط، ومن عفى وأصلح فأجره على الله، أما ما هو أكثر من الثلاث فلا يجوز؛ يحرم، ومن فعله يعني هجر أخاه فوق ثلاث لحظٍّ من حظوظ الدنيا فإنه داخل فيمن هجر المسلم بغير حق ومن من لم يصلح ذات البيْن.
وأمر الله جل وعلا بطاعة الله ورسوله فقال ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ وهي عامة يدخل فيها الواجبات والنواهي.
أما الوصية الثالثة
في آية الإسراء وهي قوله جل وعلا ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾[الإسراء:53]، ومعلوم أنّ المسلم مع المسلم يسعى بنُصحه كما قال تَميـمٍ الـدّارِي رضي الله عنه ورحمه أنّ النبي قال«الدَّينُ النَصِيحَـةُ» ثلاثا، قلنا: لِمـنْ يا رسول الله؟ قال «لله، وَلِرَسولِهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلأَئِمَّةِ المْسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمُ» والنصيحة لعامة المسلمين أن تخلِّص قلبك من الغش لهم، وإذا خلصت القلب من الغش لهم فإنك تبذل لهم النصيحة الخاصة التي هي أمرهم بالخير وحثهم عليه، لكن أصل النصيحة أنْ تخلِّص القلب من الغش لهم؛ يعني خالَف ذلك من ترك قلبه في حق إخوانه المسلمين، لا يروم له أن يكون أفضل ما يكون؛ يفرح بزلته، فإذا زل قال: أحسن، هذا يخالف النصيحة، وإذا أخطأ قال: طيب أنه أخطأ، وهذا يخالف النصيحة، والله جل وعلا بين لنا في المقال وفي الفعال ما يجب من حق المسلم على المسلم، ومعلوم أنّ أفضل عباد الله هم الصالحون، والله جل وعلا أثنى على بعض الأنبياء بأنهم صالحون، فالصالح من هو؟ الصالح هو القائم بحقوق الله وبحقوق عباده، فمن كان تقيا في حق الله؛ لكنه في حقوق العباد ليس بتقي فإنه ليس بصالح، وإن كان أثر السجود في وجهه وريقُه ناشف من أثر الصيام، فإن من قام بحق الله وحق عباده هو الصالح، ومن فرّط في حق الله فليس بصالح -يعني بشروطه المعروفة- ومن فرط في حق العباد ليس بصالح بشروطه المعروفة، ومما أمر الله جل وعلا به في حق المؤمنين فيما بينهم أن يقولوا التي هي أحسن في هذه الآية آية الإسراء ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، وهذه الآية جاءت بعد ذِكر قصة الشيطان وأنّ الشيطان أغوى المشركين حتى صاروا إلى الشرك وأنهم جعلوا لله جل وعلا شركاء وأمثال ذلك، والله جل وعلا حين أمر بذلك -بحقوق العباد المؤمنين فيما بينهم- أمر فيما بينهم أمر بأمر عظيم قال ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ قال العلماء: لا يُكتفى في امتثال الأمر بأن يقول كلمة حسنة حتى يقول أحسن ما يدري، ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ يعني المقالة التي هي أحسن ما يدري، وأما إنْ ترك ذلك في موطن الحاجة إليه فإن الشيطان سيدخل، ولهذا قال الله جل وعلا هنا ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ وهذا عند علماء الأصول والتفسير: يجري مجرى التعليل. فإنّ علة الأمر أن الشيطان ينزغ بين الناس، ولهذا يجب علينا أن نسعى في أن نقول القول الحسن، ولهذا لا يحسن فيما بين المؤمنين أن يُكثروا المِزاح وأن يكثروا المراء، وأن يكثروا رمي كلام بعضهم على بعض، وهذا يستهزئ بهذا، وهذا يقول بهذا كذا ونحو ذلك، وهذا ليس من أخلاق ممن يُرجى منهم أن يرفعوا الدعوة وأن يجاهدوا في سبيل الله، وليس من أخلاق المؤمنين بعامة كثرة المراء والمزاح والاستهزاء، حتى الاستهزاء في أصله لا يجوز.
إذا تقرّر هذا فمما يجب: أن تسعى للقول الأحسن في مقالك مع كل مؤمن سواء أكان موافقا أو كان مخالفا؛ لأن الحق لا يكون ظهورُه بالقول السّيئ إلا في حالة واحدة وهي في حالة المظلوم قال جل وعلا ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾[النساء:148]، فمن ظُلم بخصوصه فله أن يجهر بالقول السيئ انتصارا لما أُخذ من حقه، وهذا خلاف الأفضل، الأفضل أن يعفو وأن يصفح كما كانت عليه حال المصطفى .
فإذن هذه الآية فيها وصية عظيمة في أنْ نقول القول الذي هو أحسن ما يكون مع الموافق ومع من لا يوافقنا، إلا في حال الأمر والنهي، وفي بعض الأحوال الشرعية التي يتطلب الأمر فيها [إغلاط] للحق فهذا ليس داخلا في الباب لأن هذا له أصوله الشرعية، أما ما يجري فيما ترون وتمارسون فيما بين الناس هذا يجتمع مع هذا، هذا يرمي كلمة، هذا يرمي كلمة هذا يوغر الصدور ويفرق أهل الإيمان، حتى غدت الطائفة الواحدة طوائف بسبب اللسان؛ بسبب المقال، ونحن كيف نرجوا اجتماعا ونرجوا قوة ونرجو هيبة عند مخالفينا ونحن لم نتفق فيما بيننا؛ بل لم يعطِ أحدنا أخاه حقّه الواجب عليه، فهذا يقدح وهذا يقول.
بل العجب ما حكى لي بعضهم أنه قل أن تجتمع فئة قليلة إلا ونقدوا أو لمزوا بعض الإخوان، وهم لم ينصحوهم فيما بينهم أو لم يلتمسوا العذر لهم، أو إلى آخره، وهذا خلاف ما أمر الله جل وعلا به في هذه الآية ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾[الإسراء:53]، فيجب علينا أن لا نجعل للشيطان علينا مدخلا ونصيبا في التفريق وفي إيغار الصدور بعضها على بعض؛ لأن هذا من أسوإِ ما يكون بين المؤمنين، «سِباب المسلم فسوق، سباب المسلم فسوق، سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر».
نسأل الله جل وعلا أن يجعلني وإياكم ممن صلح وطاب قلبه، وصلح وطاب سمعه، وصلح وطاب بصره، وصلح وطاب لسانه.
اللهم اجعلنا من الصالحين المخبتين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
السائل: جزاك الله خيرا على هذه الكلمة الطيبة التي نسأل الله سبحانه وتعالى أن تكون لنا في طريق الهداية نورا ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يحفظنا وإياكم لما يحب ويرضى.
شيخنا الفاضل في قضية خاصة في مثل هذا الكلام الذي تفضلت فيه أن هناك من يحكم بالذنب؛ لأن الفتنة يحصل فيها أمور، فيظن أن هذا يقصد هذا أو هذا،، فيحكم في مسائل ظنية دون أن يتأكد، وهناك من ينقل الكلام ويقبله دون تثبت، فما هو القول في هذا. حكم الظن وكذلك القول...
الشيخ: أما هذا من حيث التأصيل فواضح في كلام الله جل وعلا وفي كلام رسوله وفي كلام الصحابة وكلام أهل العلم.
وإذا تكلمتُ إجابة فلا ينبغي تنزيلُها على واقع في ذهن المستمع، بل نؤصل التأصيل الشرعي، والتنزيل ليس مرادا؛ لأن التأصيل شيء والتنزيل شيء آخر؛ التأصيل له قواعده والتنزيل له أحكامه.
لهذا نقول: أما إساءة الظن وبناء الأمور على الظن فهذا منهي عنه، والله جل وعلا أمر بأن يُجتنب كثير من الظن فقال جل وعلا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾[الحجرات:12]، قال العلماء: الظنُّ أكثره منهي عنه. يعني أن يحكم بالظن، ومأمور بأن يجتنب إلا في البيّنات التي تكون عند القاضي، والفقه فإن الفقه مبني على الظن في أكثر مسائله كما هو مقرر في الأصول، وحكم القاضي مبني أيضا على الظن كما هو مقرر في الفتوى والقضاء.
ولهذا قال عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح «لَعَلّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فأحكم له، فإنما أحكم عَلَىَ نَحْوِ مّا أَسْمَعُ فمن حكمتُ له -أو قال: قضيت له- مِنْ حَقّ أَخِيهِ شَيْئاً فَإِنّمَا هو قِطْعَةٌ مِنَ النّارِ فليأخذ أو فليدع».
فالآية فيها النهي عن الظن وفيها الأمر باجتناب الظن، وقال ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ لأنّ بعض الظن مطلوب عند القاضي وعند المجتهد، وهنا إنما يحكم بما يَظن أنه لا يتيقن به؛ لأنّ التيقن الكامل –اليقين- هذا صعب أن يكون دائما.
إذن فيما بين الناس في فلان مع فلان يظن أنه كذا لكلمة سمعها منه، يظن أنه كذا بفعل فعله، معلوم أنّ الكلمة لها احتمالات، والفعل الواحد له احتمالات، ربما رأيتَ شيئا ويكون هناك عدة احتمالات، النبي عليه الصلاة والسلام رُئيت معه صفية فأطرقا الصحابيان، فَقَالَ النّبِيّ عليه الصلاة والسلام «عَلَىَ رِسْلِكُمَا. إِنّهَا صَفِيّة»، فَقَالاَ: سُبْحَانَ اللّهِ يَا رَسُولَ اللّهِ، قَالَ: «إِنّ الشّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ الإِنْسَانِ مَجْرَىَ الدّمِ. وَإِنّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَرّاً» فيجب أن لا يُساء الظن بمسلم لم تظهر عليه أمارات اليقين بما هو عليه، بل الأصل في المسلم أن يحسن الظن به فيما قال وفيما فعل( ) وأن يجتنب الظن السيئ في المسلمين، ولهذا روى الإمام أحمد في الزهد وغيرُه أنّ عمر رضي الله عنه قال –أيضا تنسب إلى غير عمر رضي الله عنه– قال: لا تظنَّنَّ بكلمة خرجت من أخيك سوءا وأنت تجد لها في الخير محملا. كذلك في الأعمال، ما في الأقوال وما في الأعمال يُجتنب الظن، وإذا كان الظن الذي يخطر بالبال لا يجوز؛ لأن الظن في النفس يعني في القلب، فكيف بالظن الذي ينبني عليه أفعال وتصرفات، فلا شك أن هذا أعظم حرمة، فالظن الذي تعتمد عليه وتبني عليه تصرفك معه وتبني عليه نقلك لآخرين رأيك في فلان بناء على ظنٍّ ظننته في قوله أو على ظنِّ ظننته في فعله فهذا لا يجوز حتى يكون برهانٌ بيِّن؛ يكون بيِّن، إما بكلام يُسمع منه لا يحتمل، أو بكلام يحتمل فيُستفصل منه فيقول أنا كذا مما هو لا يجوز، أو بكلام كتبه لا يحتمل أو بكلام كتبه يحتمل فاستفصل منه فقال: أنا أريد كذا.
ولهذا عند الأصوليين الدِّلالات متنوعة ومنها الدلالة الحمْلية، والدلالة الحملية التي يُحمل عليها الكلام، فيقال: إنّ الكلام إذا أُفرد كان له معنى، وإذا حُمل بعضه على بعض كان له معنى. فيُنظر في الكلام ما يحمل عليه بسياقه وبلحاقه، فإذا كان يوضح المراد فيُبين ذلك.
وهذا أخطأ فيه بعض المعاصرين فظنوا أنّ الكلام يجب أن يكون صوابا في أفراده وفي حمله، وهذا ليس بواجبٍ مطلقا؛ لأن الكلام يفسّر بعضه بعضا.
ولهذا نقول: الحكم على الناس، الحكم على الأشياء بناء على الظن لا يجوز شرعا؛ بل لا بد أن يكون على اليقين إلا من كان أصله يعني الظن فيه لأصل ما هو عليه، فهذا الأصل يتبعه فروعُه. نعم
السائل: النقل من غير تثبت؟
الشيخ: أما النقل من غير تثبت فالله جل وعلا كرّهه في قلوبنا بِجَعْل الناقل من غير تثبت فاسقا، ويكفي في هذا ما يحمل القلوب على كُرهه فقال جل وعلا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ -وفي القراءة الأخرى ﴿فَتَثَبَّتُوا﴾- ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾[الحجرات:6]، فجعل صفة الذي ينقل بلا تثبّت جعله فاسقا، وهذا مما جعل هذا الفعل يَكْرَهُهُ كل من في قلبه إيمان لأنه آمن ليخرج من الفسوق، ولهذا سبيل الخلاص من ذلك أن تنقل ما يُحتاج في نقله شرعا، وما لا يحتاج إليه فاكتمه، و«من حدّث بكل ما سمع فهو أحد الكاذبَيْن أو أحد الكاذِبين» «وكفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع» كما ثبت في الأحاديث، لهذا ما تسمعه يجب أن لا تنقله؛ لأنك قد تتعرض للإثم إلا في ما المصلحة الشرعية في نقله وما المصلحة الشرعية في نقله أحد ثلاث صور وهي الجائية في سورة النساء ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾[النساء:114]، فمن نقل قولا لا يريد به الصدقة بمفهومها الواسع، ولا يريد به المعروف، ولا يريد به الإصلاح بين الناس، فإنه ليس على خير؛ بل هو آثم بما نقل وإن خرج سالما فإنه لا يخرج في المرة الأخرى سالما.
ولهذا على كل محبّ لنفسه ولنجاتها ألاّ ينقل إلا ما هو يقينٌ جدًّا مما سمع وما هو يقين ينقل منه ما هو داخل في أحد الثلاثة هنا قال ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ﴾ هذه فيها خير الثلاث، وغيرها قد يكون مباحا وقد يكون إثما وهو الأكثر.
'>السائل: الشيخ بارك الله فيك فيه قضية كثيرا حولها الجدل قضية الهجر.
فالسؤال: متى يُهجر المبتدع ومن الذي يحكم بالهجر؟
الشيخ: ينبغي أن يكون السؤال: ومن هو المبتدع أيضا؟ لأنّ من الذي يحكم بالبدعة أوْلى من الذي يحكم بالهجر.
أما حكم الهجر فهو: الهجر مشروع والنبي هجر الثلاثة الذين خُلِّفوا -كما تعلمون- هجرهم شهرا أو أكثر فدل على مشروعية الهجر؛ يعني لأجل الدين، لأجل الشرع، لأجل المصلحة الشرعية للمهجور، والنبي عليه الصلاة والسلام كانت حاله مع العصاة في عهده ومع المنافقين ومع المشركين متنوعة، فالذين هجرهم هم بعض العصاة وليس كل عاصٍ يُهجر؛ بل بعض أهل المعصية هو الذي يُهجر، وكذلك المنافقون لم يهجرهم عليه الصلاة والسلام، والمشركون الذين قدموا عليه -عليه الصلاة والسلام- لم يهجرهم، والنّصارى أيضا الذين قدموا عليه لم يهجرهم، فدلّ على القاعدة التي قعّدها أهل العلم والأئمة من المحققين وقرّرها شيخ الإسلام ابن تيمية في مواضع بأن الهجر تبع للمصلحة الشرعية، وإنما يُهجر من ينتفع بالهجر، وأما من لا ينتفع بالهجر فإنه لا يُهجر؛ لأن الهجر تعزير إصلاح، فإذا كان التعزير غير نافع فإنه لا يُشرع؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لم يَهجر الجميع.
والهجر قد يكون عمل، قد يكون بقول، قد يكون بترك السلام، ترك رد السلام، وقد يكون بعمل؛ ترك دعوته أو ترك إجابة دعوته إلى آخر ذلك، فهذا مقيد بمن ينتفع به. </span><span style='color:#FFFF00'><span style='color:#0000FF'>المسألة الثانية: من الذي يحكم بالبدعة؟
البدعة حكم شرعي، والحكم على من قامت به بأنه مبتدع هذا حكم شرعي غليظ؛ لأن الأحكام الشرعية تبع الأشخاص: الكافر، ويليه المبتدع، ويليه الفاسق، وكل واحدة من هذه إنما يكون الحكم بها لأهل العلم؛ لأنه لا تلازم بين الكفر والكافر، فليس كل من قام به كفرٌ فهو كافر، ثنائية غير متلازمة، وليس كل من قامت به بدعة فهو مبتدع، وليس كل من فعل فسوقا فهو فاسق يعني في نفس الأمر، قد يُقال إنه كافر ظاهرا باعتبار الظاهر، وفاسق ظاهرا، ومبتدع ظاهرا، لكن هذا لا يعني إطلاق الحكم، فالتقييد بالظاهر غير إطلاق الحكم كما هو مقرر في موضعه.
فالحكم بالبدعة وبأنّ قائل هذا القول مبتدع أو أن هذا القول بدعة ليس لآحاد من عرف السنة، وإنما هو لأهل العلم؛ لأنه لا يُحكم بذلك إلا بعد وجود الشرائط وانتفاء الموانع، وهذه مسألة راجعة إلى أهل الفتوى لأنّ اجتماع الشروط وانتفاء الموانع من صنعة المفتي.
لهذا لا ينبغي؛ بل لا يجوز التجاسر على الحكم بالبدعة على من لم يحكم عليه أهل العلم الرّاسخون فيه بأنه مبتدع؛ بل يصار إليهم فيما قالوا وفيما تركوا، ومن حكم فهذا اجتهاد منه، إن كان من أهل الاجتهاد فهو له ولكن لا يتابع عليه يعني يعذر فيه لكن لا يتابع عليه؛ لأن التبعية إنما هي أولي أهل العلم الراسخين فيه، وإن كان من غير أهل الاجتهاد فقوله مردود عليه ويصبح اجتهادا في غير محله.</span></span>السائل: الشيخ أثابك الله، بالنسبة للصحابي الذي قال عند الرّفع من الركوع: ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، شيخ هذا أقره النبي صلى الله عليه وسلم مع أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يقله، مع أن هذا الصحابي دعا لكنه أقره، فهل يسوغ للمسلم أن يُثني على الله سبحانه وتعالى بثناء جميل في مثل هذا الموضع؟
الشيخ: الأذكار في الصلاة متنوعة مختلفة، ففي عهده عليه الصلاة السلام هو عهد التشريع، فقد يبتدئ أحد الصحابة قولا يجتهد فيه أو فعلا يجتهد فيه، ولأنّ الزمن زمن تشريع فهو إما أن يُقَرَّ عليه وإما أن لا يقر عليه، فإن أُقر عليه صار تشريعا وإن لم يقر عليه صار ليس من الشرع، فمن الأقوال الذي ذكرتَ في هذه الحالة، وثناء عمر في أول الصلاة أيضا في الاستفتاح، وفعل عمر أيضا في موافقاته المعروفة.
فإذن نقول هذا يُحمل على أنّ الزمن زمن تشريع، والنبي يُقر ويشرع هذا من جهة.
ومن جهة أخرى فإنّ الثناء على الله جل وعلا في هذا الموطن بحمده مطلوب؛ لأنّ الإمام يقول سمع الله لمن حمده، هذا حمِد فأتى بالواجب ثم زاد حمْدا خاصا، فهو من النّفل في الدعاء، ومعلوم أن النّفل في الدعاء يعني زيادة على الواجب في الأذكار في الصلاة هذا للمرء أن يزيد فيه، وإن كان الأفضل أن يتقيّد بالوارد.
وأيضا يقال هذا في بعض الروايات قالها بعد أن عَطس، فعطِس ثم حمد الله بهذا الحمد.
فالمقصود أن إيراد هذه لا إشكال فيه، وأنّ المسلم ليس له أن يبتدئ ثناءً على الله جل وعلا في الصلاة يستعيض به الثناء الوارد، لكن إذا أتى بما ورد ثم بقي وقت له أو أراد أن يطيل فيُثني بما هو من جنسه فلا بأس بذلك؛ لأنه نفل أو ثناء بعد الإتيان بالوارد، فيقول مثلا: ربي اغفر لي، ربي اغفر لي، ربي اغفر لي بين السجدتين، ثم يزيد ما شاء من الدعاء، يقول: سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي الأعلى. ثم يزيد على التسبيح أو من الدعاء بما ورد أو بما لم يرد، فلا شك أن الأفضل دائما هو الوارد؛ لأن فيه من كمالات المعاني وحسن الألفاظ والمباني ما ليس في دعاء غير المصطفى .
السائل: بارك الله فيك بعض الناس يسدلون بالأحاديث العامة على أشياء مخصوصة فمثلا الذكر عام وأمر مستحب؛ لكن يقول عند الصلاة لا إله إلا الله ألف مرة ويلتزمون هذا الفعل، وإذا قلت لهم ما الدليل في هذا؟ يذكرون أدلة عامة والذكر أمر مطلوب،...؟
الشيخ: لا شك أنَّ الذكر مأمور به فقد قال جل وعلا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا(41)وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾[الأحزاب:41-42]، وقال جل وعلا ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾[الأحزاب:35]، وهذا الأمر بذِكره يكون مطلقا ومقيدا؛ فهو مطلق بالنسبة للأزمان وبالنسبة للعبادات مقيد، وكما أنّه لا يجوز لأحد أن يقول لا إله إلا الله ألف مرة في السجود أو في الركوع؛ لأنه خرج بذلك عن رسم الشريعة مع دخوله في العموم، فكذلك لا يجوز له أنْ يأتي بذكر في موطن جاء في السنة بالذِّكر فيه على نحو معين بخلاف ما جاء في السنة.
لهذا نقول هذه العمومات أو المطلقات بالآيات، ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾[الأحزاب:41] هذا ذكر مطلق؛ لأن النكرة في سياق الأمر تدل على الإطلاق لا العموم، وهذا الإطلاق يكون إطلاقا في الأزمنة وإطلاقا في العبادات؛ يعني يحتمل هذا أو هذا أو هما جميعا، فنقول هذا بالنسبة للأزمنة صحيح ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ للأزمنة؛ لأنّه لا مقيد له، وأما في العبادات قد قُيدت، قُيدت الصلاة بأذكار خاصة فلا يعمل بالإطلاق لأن المقيد محكوم به على المطلق، كذلك ما جاء في الصلوات لا يحكم بالمطلق لأن المقيد محكوم به على المطلق كما هو مقرر في الأصول، هذا مأخذ.
والمأخذ الثاني أن يقال إن الأمر بذكر الله جل وعلا وبتسبيحه امتثله النبي عليه الصلاة والسلام، ومن المتقرر عند الأصوليين أن امتثال الأمر يخرجه عن عمومه يخرجه عن إطلاقه فقوله جل وعلا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾[المائدة:6]، هذا أمر لأنه إذا قمنا إلى الصلاة فعلنا ذلك، ومعلوم أنه عليه الصلاة والسلام قام إلى بعض الصلوات ولم يفعل هذا، فدلنا على أن ما أمر فيه بقول أو بفعل مطلق وجاءت السّنة بتقييده بالمقال أو بتقييد في الفعال فإنه يخرج عن إطلاقه ويصار على المقيد.
وهذه شبهة هي شبهة أهل البدع، فكل صاحب بدعة جاء بدعة الأذكار أو بدع الصلوات أو إلى آخره جاء من جهة العمومات، فظن أن العمومات الواردة في فضيلة الصلاة أو فضيلة الذكر أو إلى آخره يدخل فيها كل الصور التي أرادوها، هذا غير صحيح وغير لائق شرعا وكذلك الأصول -أصول الفقه- لا تقضي به إذن ترده.
وذَكَرَ ابن الحاج في المدخل، بهذه المناسبة ذكر ابن الحاج في المدخل قصة عن أحد مشايخ المغرب وكان كثير الذكر يسبح بعد كل صلاة مائة ويحمد مائة ويهلل مائة بعد الصلوات؛ في أدبار الصلوات المكتوبة، ويجتهد اجتهادات مثل هذه، فترك ذلك إلى ما جاء به السنة فقيل له: لم؟ فقال: رأيتُ رؤيًا جعلتني أترك ذلك. فقالوا له: ما الرؤية؟ فقال: رأيتُ أنّ القيامة قامت وأن مناديا من الرحمان جل وعلا نادى وقال: أين أهل البر فليأتوا ليأخذوا أجورهم. قال: فأتى أناس كثير وأنا معهم، فأصبح يسمّع: فلان ويعطى أجره، وفلان ويُعطى أجره، و فلان ويعطى أجره، وبقيتُ، فقلت: أنا من أهل الذكر ولم أُعطَ أجري. فقال لي الملَك: ما كنتَ تقول؟ قال: فحكيت له ما كنت أقول. فقال الملَك لي: ليس لك عندنا شيء، ما على هذا رَسْمُ صاحب الشريعة. قال: فتركتُ الاجتهاد في الأذكار بغير ما وردت به السنة إلى ما وردت به السنة.
ومعلوم أن الرؤى مبشرات للمؤمن أو محذرات.
السائل: أحسن الله إليكم يا شيخ، لا شك يا شيخ أن أمر الهجر أمر مشروع، وأنه يتوجب في بعض الأحيان، لكن يا شيخ هل يجوز تطبيق هذا الحكم على إنسان عُرف بالمنهج بالسلفي ودعوته للعقيدة الصحيحة وتطبيقه والدعوة إليه والتدريس في هذا الباب، ولكن بدر منه بعض الفتاوى لكن خالف فيها كبار العلماء مثل قضية المظاهرات وجواز الاغتيالات في بعض الأمور، والاعتصامات والاضرابات، هل يحكم عليه بالهجر ويطبق هذا عليه، أو هل نقول أحضروا دروسه خاصة العقدية منها؟
الشيخ: أظنك يا أخي نسيت شرطي في أول اللقاء بأنْ لا أُسأل عن شخص، فنحن نتكلم في العلم، والسؤال عن شخص قد يكون سؤالا عن اسمه أو سؤالا عن صفة يتشخص بها فلان دون غيره، وأنا لا أتكلم في هذا لأن مثل هذه الأمور ميدانها النصيحة، لا ميدانها السؤال والجواب في مثل هذه المجالس.
السائل: شيخ هنا مسألة: وهي بعض المرضعات تحاول أن ترضع رضيعها من صدرها ولكن تخشى مثلا تنشغل في دراسة أو في وظيفة أو كذا، فتبدأ تدرّبه وتعلمه على العيش بالمرضعة الصناعية، هل تأثم بهذا الفعل؛ يعني إذا كانت مقصودها بذلك مخافة أن تتوعك صحتها؟
الشيخ: الله جل وعلا حثّ على الإرضاع في حولين فقال سبحانه ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾[البقرة:233]، فدلت الآية على شيئين:
الأول: على أن الإرضاع لمدة حولين هذا متروك للوالد ومتروك للوالدة، متروك للأب وللأم، فإنْ أراد الرجل وأرادت المرأة أن يتم لهما ذلك، وإن أرادا أن لا يتما فليسا عليهما جناح لقوله ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾.
والفائدة الثانية: قوله ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ فدلّ على مشروعية الإرضاع.
والإرضاع الأصل فيه أنه مستحب وليس بواجب، وإنما يجب في حال احتياج الولد للبن الأم وأنه لو ترك لبن الأم لأصابته مضرة، فهنا يجب على الوالد أن يرضعه، على الوالد يجب أن يرضعه، بإلزام المرأة فإنْ لم يتيسر بأن يبحث له عن مرضعة بأجر كما في آخر الآية.
والمرأة يجوز لها أن تترك الإرضاع بلا كراهة إذا كانت بها حاجة لذلك؛ إما عمل تحتاجه، وإما راحة ترتاح بها لأجل صحتها، وإما لعدم حاجة الصغير لذلك أو ما أشبه ذلك.
فإذن الأصل الإرضاع مستحب وقد ينتفي الاستحباب في مواضع، وقد يجب في مواضع، قد يجب في حالٍ ذكرتُها، ولهذا ما سألت عنه لا حرج عليها في ذلك.
السائل: بارك الله فيك، الجنازة إذا صلّي عليها ودفنت هل يجوز أن نصلي عليها في القبر؟
الشيخ: نعم الصلاة على الميت بعد أن يدفن جائز ومشروع، فالنبي عليه الصلاة والسلام صلى على قبر بعد ما دفن في أكثر من حالة، فمنها ما رواه البخاري ومسلم أن امرأة كانت تقمّ المسجد وفقدها عليه الصلاة والسلام فسأل عنها فقيل له إنها ماتت، فقال «هلا آذنتموني -يعني أعلمتموني- دُلُّوني على قبرها» فدلوه على قبرها، فذهب النبي عليه الصلاة والسلام إلى قبرها فصلى عليها.
والعلماء اختلفوا مدة الصلاة على القبر، كم؟
منهم من قال إلى شهر لحديث مرسل رواه الترمذي أنه صلى عليه الصلاة والسلام على قبر بعد شهر.
ومنهم من قال ما لم ينشف القبر يعني في يوم أو يومين.
وكل هذه التقييدات لا معوَّل عليها، وإنما مشروعية الصلاة لمن لم يصلِّ عليه، فمن لم يصل عليه وأتى للبلد وأُعلم بذلك أو لم يعلم بالصلاة عليه فعلم فله أن يذهب وأنْ يصلي عليه؟
...هنا المسألة هل هي صلاة جنازة أم هي دعاء؟ اختلف فيها العلماء لأن هؤلاء شهداء، والأصل في الشهيد أن لا يصلى عليه النبي عليه الصلاة والسلام ترك الصلاة عليهم بعد أحد -وليس هم شهداء القليب هم شهداء أحد- ترك الصلاة عليهم، ثم لما بعد سبع سنين أو ثمان سنين وقبل وفاته عليه الصلاة والسلام بأشهر ذهب وصلى عليهم، ولم تُنقل صفة الصلاة، ولهذا اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
منهم من قال هذه نسخ لعدم الصلاة على الشهيد، وهذه معناها مشروعية الصلاة على الشهداء.
ومنهم من قال هذه الصلاة تفيد الجواز جواز أن يصلى على الشهيد
والقول الثالث أنّ هذه ليست بصلاة، والشهيد لا يصلى عليه، ولكن دعاء ووداع.
وأيّد هذا الثالث وهو الصحيح قوله في الحديث الذي في البخاري قال (كالمودّع لهم)، كالمودع لهم، ومعلوم أن المودع يودع بكلام لا بصلاة، فَقَوَى هذا على أنه لم يصلي عليهم صلاة الجنازة المعروفة، وإنما كان دعاء.
وهناك أيضا بحث لما جاء في بعض الروايات ما يخالف هذا.
السائل: نشكر للشيخ الله سبحانه وتعالى على هذا اللقاء، وفي الحقيقة جلسة الله سبحانه وتعالى أكرمنا بها له الحمد والمنة قبل ختامنا في هذه الجولة وفي هذه الرحلة، ونسأل الله عز وجل أن ينفعنا الله سبحانه وتعالى بها، وإن شاء الله نودعك ونرجو من الله سبحانه وتعالى أن نلتقي بك وبالمشايخ الموجودين هنا مرة ثانية، ودعوتك مفتوحة إلى الكويت، نسأل الله سبحانه وتعالى أن تجد قبول عندك.
في الختام نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى وأن ينفعنا بعلمكم وأن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبعون أحسنه وجزاكم الله خير الجزاء.
الشيخ: أنا أشكر الله سبحانه وتعالى لكم، وأسأله سبحانه أن يثيبكم على هذه الرحلة العلمية التي أرجو أن تُحسب لكم خطواتكم فيها أجرا وحسنات وثوابا، وأن لا يكلكم الله جل وعلا إلى أنفسكم.
كما أكرر الوصية بالتؤدة والرفق في الأمر كله، كما قال عليه الصلاة والسلام «إنّ الرّفق ما كان في شيء إلا زانه ولا نُزِع من شيء إلا شانه»، وقال أيضا عليه الصلاة والسلام «إنّ الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف»، وقال عليه الصلاة والسلام أيضا لعائشة «يا عائشة إنّ الله يحب الرفق في الأمر كله»، وهذا يدلّ على شُمول الرفق لكل شيء للأفكار وللحركة وللأقوال وللأعمال، فمن كان رفيقا كان أحْرى بمحبة الله جل جلاله.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.