مبتدئ في طلب العلم
07-09-2007, 03:53 PM
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد
فهذه بعض الأسئلة والأجوبة في الإيمان والكفر لشيخنا العلامة عبد العزيز الراجحي-حفظه الله تعالى-
الأعمال ركن في الإيمان وجزء منه
السؤال الأول:
هناك من يقول: ( الإيمان قول وعمل واعتقاد لكن العمل شرط كمال فيه )، ويقول أيضا: ( لا كفر إلا باعتقاد )، فهل هذا القول من أقوال أهل السنة أم لا؟
الجواب:
ليست هذه الأقوال من أقوال أهل السنة أهل السنة يقولون: الإيمان هو قول باللسان وقول بالقلب وعمل بالجوارح وعمل بالقلب، ومن أقوالهم: الإيمان قول وعمل؛ ومن أقوالهم: الإيمان قول وعمل ونية، فالإيمان لا بد أن يكون بهذه الأمور الأربعة:
1- قول اللسان وهو النطق باللسان. 2- قول القلب وهو الإقرار والتصديق. 3- عمل القلب وهو النية والإخلاص. 4- عمل الجوارح.
فالعمل جزء من أجزاء الإيمان الأربعة، فلا يقال: العمل شرط كمال أو أنه لازم له فإن هذه أقوال المرجئة ولا نعلم لأهل السنة قولا بأن العمل شرط كمال. وكذا قول من قال: ( لا كفر إلا باعتقاد ) فهذا قول المرجئة ومن أقوالهم: ( الأعمال والأقوال دليلٌ على ما في القلب من الاعتقاد ) وهذا باطل، بل نفس القول الكفري كفر ونفس العمل الكفري كفر كما مر في قول الله تعالى" قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ" أي: بهذه المقالة.
أقسام المرجئة وأقوالهم في مسائل الإيمان
السؤال الثاني:
ما أقسام المرجئة ؟ مع ذكر أقوالهم في مسائل الإيمان؟
الجواب:
المرجئة طائفتان:
الطائفة الأولى: المرجئة المحضة أو الغلاة وهم الجهمية وزعيمهم الجهم بن صفوان فإن الجهم بن صفوان اشتهر بأربع عقائد بدعية هي: 1- عقيدة نفي الصفات وأخذها عنه الجهمية 2- عقيدة الإرجاء وأخذها عنه المرجئة 3- عقيدة الجبر -أي أن العبد مجبور على أعماله- وأخذها عنه الجبرية 4- عقيدة القول بفناء الجنة والنار.
فهذه أربع عقائد خبيثة اشتهر بها الجهم والمرجئة المحضة عقيدتهم في الإيمان أنه مجرد المعرفة، أي مجرد معرفة الرب بالقلب، فمن عرف ربه بقلبه فهو مؤمن، ولا يكون الكفر إلا إذا جهل ربه بقلبه، وبهذا ألزمهم العلماء بأن إبليس مؤمن؛ لأنه يعرف ربه قال الله تعالى عن إبليس: " قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ " ويكون فرعون أيضا مؤمنا لأنه يعرف ربه بقلبه، قال تعالى عنه وعن قومه:" وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ " وذكر ابن القيم - رحمه الله تعالى - في الكافية الشافية فصلا طويلا في بيان معتقد المرجئة المحضة وقال: إنه أخفى هذا مدة ثم أظهره وبيّن أن عقيدتهم مجرد معرفة الرب بالقلب، وأنه لو فعل الأعمال الكفرية مع ذلك، فلا تؤثر في إيمانه، فلو سبَّ الله أو سبَّ الرسول -صلى الله عليه وسلم- أو سبَّ دين الإسلام وقتل الأنبياء والمصلحين وهدم المساجد وفعل جميع المنكرات فلا يكفر ما دام يعرف ربه بقلبه وهذا هو أفسد قول قيل في تعريف الإيمان! وهو قول أبي الحسين الصالحي من القدرية
ويليه في الفساد قول الكرَّامية القائلين: بأن الإيمان هو النطق باللسان فقط، فمن شهد أن لا إله إلا الله بلسانه فإنه يكون مؤمنا، ولو كان مكذبا بقلبه ويسمونه مؤمنا كامل الإيمان، وإن كان مكذبا بقلبه فهو مخلد في النار، فيلزمهم على هذا أن المؤمن الكامل الإيمان مخلدٌ في النار وهذا من أعظم الفساد وهو يلي قول الجهم في الفساد. الطائفة الثانية: مرجئة الفقهاء وهم أهل الكوفة كأبي حنيفة -رحمه الله- وأصحابه وأول من قال بأن الأعمال غير داخلة في مسمى الإيمان هو حماد بن أبي سليمان شيخ الإمام أبي حنيفة وأبو حنيفة له روايتان في حد الإيمان: الأولى: أنه تصديق القلب وقول اللسان، وهذه الرواية عليها أكثر أصحابه. والثانية: أن الإيمان هو تصديق القلب فقط، وأما قول اللسان فهو ركن زائد خارج عن مسمى الإيمان. وعلى هذه الرواية يوافق قول الماتريدية أن الإيمان هو تصديق القلب فقط.
ولكن الأعمال مطلوبة عندهم كالصلاة والزكاة والصوم والحج، فالواجبات واجبات والمحرمات محرمات، ومن فعل الواجب فإنه يستحق الثواب والمدح ومن فعل الكبائر فإنه يستحق العقوبة ويقام عليه الحد، ولكن لا يسمونه إيمانا. يقولون: الإنسان عليه واجبان: واجب الإيمان، وواجب العمل، ولا يدخل أحدهما في مسمى الآخر.
وجمهور أهل السنة يقولون: العمل من الإيمان وهو جزء منه فالأعمال واجبة وهي من الإيمان، ومرجئة الفقهاء يقولون: الأعمال واجبة وليست من الإيمان، ولهذا قال من قال بأن الخلاف بينهم وبين جمهور أهل السنة خلاف لفظي، وقال بهذا شارح الطحاوية، والصواب أنه ليس لفظيا.
الإقرار بالشهادتين مع ترك العمل
السؤال الثالث:
ما حكم من ترك جميع العمل الظاهر بالكلية وهو يقر بالشهادتين ويقر بالفرائض ولكنه لا يعمل شيئا ألبتة فهل هذا مسلم أم لا؟ علما بأنه ليس له عذر شرعي يمنعه من القيام بتلك الفرائض؟
الجواب:
هذا لا يكون مؤمنا، فالذي يزعم أنه مصدِّق بقلبه ولا يقر بلسانه ولا يعمل لا يتحقق إيمانه؛ لأن هذا إيمان كإيمان إبليس وكإيمان فرعون ؛ لأن إبليس أيضا مصدِّق بقلبه، قال الله تعالى عنه:" قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ" وفرعون وآل فرعون قال الله تعالى عنهم:" وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا" فهذا الإيمان والتصديق الذي في القلب لا بد له من عمل يتحقق به فلا بد أن يتحقق بالنطق باللسان ولا بد أن يتحقق بالعمل؛ فلا بد من تصديق وانقياد، وإذا انقاد قلبه بالإيمان فلا بد أن تعمل الجوارح، أما أن يزعم أنه مصدِّق بقلبه ولا ينطق بلسانه ولا يعمل بجوارحه وهو قادر فأين الإيمان؟!! فلو كان التصديق تصديقا تاما، وعنده إخلاص لأتى بالعمل، فلا بد من عمل يتحقق به هذا التصديق وهذا الإيمان؛ والنصوص جاءت بهذا.
كما أن الذي يعمل بجوارحه ويصلي ويصوم ويحج لا بد لأعماله هذه من إيمان في الباطن وتصديق يصححها وإلا صارت كإسلام المنافقين؛ فإن المنافقين يعملون، يصلون مع النبي -صلى الله عليه وسلم- ويجاهدون ومع ذلك لم يكونوا مؤمنين؛ لأنه ليس عندهم إيمان وتصديق يصحح هذا العمل، فلا بد من أمرين لصحة الإيمان:
- تصديق في الباطن يتحقق بالعمل.
- وعمل في الظاهر يصح بالتصديق.
أما تصديق في الباطن دون عمل فأين الدليل عليه؟ أين الذي يصححه؟ أين الانقياد؟.
لا يمكن أن يكون هناك تصديق صحيح لا يصلي صاحبه، ولا ينطق بالشهادتين وهو يعلم ما أعدَّ الله لمن نطق بالشهادتين ولمن تكلّم بكلمة التوحيد من الثواب، ولما أعدّ الله للمصلين من الثواب ولمن ترك الصلاة من العقاب، فلو كان عنده تصديق صحيح، وإيمان صحيح لبعثه على العمل، فلو كان عنده تصديق صحيح وإيمان صحيح لأحرق الشبهات والشهوات؛ فترك الصلاة إنما يكون عن شبهة والمعاصي إنما تكون عن شهوة، والإيمان الصادق يحرق هذه الشهوات والشبهات.
وهذا يدل على أن قلبه خالٍ من الإيمان الصحيح، وإنما هو لفظ باللسان نطق به ولم يتجاوزه، وإلا لو كان عنده تصديق بقلبه أو إقرار بقلبه فقط ولم يتلفظ؛ فقول القلب لم يتجاوز إلى أعمال القلوب، وإلى الانقياد فالمقصود أن الذي يزعم أنه مصدِّق بقلبه ولا يعمل بجوارحه هذا هو مذهب الجهمية
ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: يعسر التفريق بين المعرفة والتصديق المجرد. فيعسر التفريق بين المعرفة بالقلب، والتصديق الذي ليس معه شيء من أعمال الجوارح، ويقول هذا هو إيمان الجهمية -نسأل الله العافية-. فالذي يزعم أنه مؤمن ولا ينطق بلسانه ولا يعمل بجوارحه مع قدرته هذا هو مذهب الجهمية فلا بد من عمل يتحقق به هذا التصديق كما أن الذي يعمل لا بد له من تصديق في الباطن يصححه.
سبَّ الله وسب الرسول
السؤال الرابع:
ما حكم من يسب الله ورسوله ويسب الدين فإذا نُصح في هذا الأمر تعلَّل بالتكسب وطلب القوت والرزق، فهل هذا كافر أم هو مسلم يحتاج إلى تعزير وتعذيب؟ وهل يقال هنا بالتفريق بين السب والساب؟
الجواب:
لا أدري ما معنى التعلل بالتكسب وطلب القوت؟! إن كان المراد أنه إذا قيل له تعلَّم الدين يتعلَّل بالكسب، التعلُّم شيء آخر لكن الآن نحكم عليه بهذا السب ونقول: من سب الله أو سب رسوله -صلى الله عليه وسلم- أو سب الدين فإن هذا كفر باتفاق أهل السنة والجماعة أما مسألة التعلل بالكسب وطلب القوت إذا قيل له تَعَلَّمْ دينك؛ فهذا التعلل باطل ويجب على الإنسان أن يتعلم ما يقيم به دينه؛ كما أنه يطلب الكسب والقوت، فيجب عليه أن يتعلم دينه؛ يتعلم ما يصح به إيمانه؛ يتعلم ما أوجب الله عليه من الاعتقاد الصحيح وأن الله مستحق للعبادة وحده؛ وما أوجب الله عليه من الطهارة والصلاة والصوم والزكاة والحج، فهذا التعلل لا وجه له.
فإذا قيل له: تعلَّمْ ما أوجب الله عليك أو اسأل العلماء عن مقالتك هل هي كفر أم غير كفر تعلل بالكسب فهذا باطل؛ لأن الكسب لا يمنع الإنسان من تعلم دينه وتعلم أن هذه المقالة كفرية أو يسأل عنها؛ لأن الكسب لا يأخذ وقتا كثيرا والكسب له أوقات واسعة وليس هناك فرق بين السب والساب فنقول: من سب الله أو سب الرسول -صلى الله عليه وسلم- أو سب دينه فهو كافر والساب كافر؛ لأنه لا عذر له في هذا، والذي يعذر فيه إنما هي الكلمات التي فيها إيهام؛ فهذا الذي يفرق فيها بين المقالة والقائل فلو تكلم الإنسان بكلم موهمة أو كلمة يحتمل أن يكون لصاحبها عذر فهذا الذي يقال فيه بالفرق بين المقالة والقائل فيقال: المقالة كفرية والقائل لا يكفر إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع وقامت عليه الحجة؛ أما من سب الله وسب رسوله -صلى الله عليه وسلم- وسب دينه فهذا أمر واضح لا إشكال في كفره.
هل القول بكفر تارك جنس العمل من أقوال المرجئة
السؤال الخامس:
ما حكم من يقول بأن من قال: أن من ترك العمل الظاهر بالكلية بما يسمى عند بعض أهل العلم بجنس العمل أنه كافر، أن هذا القول قالت به فرقة من فرق المرجئة ؟
الجواب:
لا أعلم أن هذا القول قالت به المرجئة ولكن لا بد من العمل كما سبق؛ لأن من أقر بالشهادتين فلا بد أن يعمل؛ لأن النصوص التي فيها الأمر بالنطق بالشهادتين وأن من نطق بالشهادتين فهو مؤمن مقيّدة بقيود لا يمكن معها ترك العمل، وقد ثبت في الحديث الصحيح عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" من قال: لا إله إلا الله خالصا من قلبه دخل الجنة" وقوله:" خالصا من قلبه "هذا ينفي الشرك؛ لأن الإخلاص ينافي الشرك، ومن ترك العمل فهو مشرك؛ لأنه عابدٌ للشيطان؛ ولأنه معرض عن دين الله، ومن أعرض عن دين الله كفر.
وكذلك جاء في الأحاديث:" من قال لا إله إلا الله مخلصا" وفي بعضها: " صادقا من قلبه" وفي بعضها:" مستيقنا بها قلبه" وفي بعضها:" وكفر بما يعبد من دون الله" فهذه النصوص التي فيها أن من نطق بالشهادتين فهو مؤمن مقيدة بهذه القيود التي لا يمكن معها ترك العمل فلا بد أن يكفر بما يعبد من دون الله، ومن لم يعمل فإنه معرض عن دين الله، وهذا نوع من أنواع الردة، فمن لم يعمل مطلقا وأعرض عن الدين لا يتعلمه ولا يعبد الله فهذا من نواقض الإسلام قال تعالى:" وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ"فلا بد أن يعمل فإذا قال:" لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه" وقالها عن إخلاص وفي بعضها:" وهو غير شاك" فلا بد أن يعمل، ولا يمكن أن يتكلم بكلمة التوحيد عن صدق وإخلاص ولا يصلي أبدا وهو قادر؛ لأنه إذا ترك الصلاة دل على عدم إخلاصه ودل على عدم صدقه ودل على أن قلبه ليس مستيقنا بها، ولو كان قلبه مستيقنا بها، وكان عنده يقين وإخلاص وصدق لا بد أن يعمل فإن لم يعمل دل على عدم إيمانه وعدم يقينه وعدم إخلاصه وعدم صدقه، ودل على ريبه وشكه، وهذا واضح من النصوص.
حكم من قال إخواننا النصارى
السؤال السادس:
من قال: ( إخواننا النصارى )! فما حكم هذا القول؟
الجواب:
إذا كان يعتقد أن دينهم صحيح وأن مذهبهم صحيح وأنهم على حق وأنه يوافقهم في دينهم فهذا كفر وردة، وأما لو قال: ( إخواننا النصارى ) غلطة أو سبقة لسان أو خطأ أو له شبهة فقد لا يكفر، فهذا فيه تفصيل.
شروط لا إله إلا الله
السؤال السابع :
ما الدليل على مشروعية شروط شهادة: أن لا إله إلا الله، من العلم والانقياد والصدق والإخلاص والمحبة والقبول واليقين، وما الحكم فيمن يقول:( تكفي شهادة أن لا إله إلا الله بمجرد قولها دون هذه الشروط )؟
الجواب:
سبق بيان أن كلمة التوحيد لا بد لها من شروط وأن هذه الشروط دلَّت عليها النصوص، قال -صلى الله عليه وسلم-:" من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه دخل الجنة" وفي بعض الروايات:" صدقا من قلبه" وفي بعضها:" وكفر بما يعبد من دون الله" والانقياد لا بد منه؛ لأنه لا بد من العمل؛ لأن هذه الشروط تقتضي الانقياد وكذلك القبول، فهذه الشروط التي دلَّت عليها النصوص من الإخلاص وعدم الشك والريب والصدق واليقين؛ هذه تستلزم القبول والمحبة، فدلَّت هذه النصوص على أن هذه الشروط لا بد منها فمن قال: لا إله إلا الله بلسانه ولم يلتزم بشروطها من الإخلاص والصدق والمحبة والانقياد فهو مشرك والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول:" من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرُم ماله ودمه وحسابه على الله" وهذا لم يكفر بما يعبد من دون الله، ومعنى ذلك أنه لم يأت بهذه الشروط فانتقضت هذه الكلمة حيث قالها بلسانه ونقضها بفعله؛ لأن ( لا إله إلا الله ) معناها: لا معبود بحقٍّ إلا الله، فإذا عبد غير الله نقض هذه الكلمة، وكذلك إذا قال: ( لا إله إلا الله ) عن كذب ولم يقلها عن صدق فهذا منافق؛ كفَّره الله تعالى بقوله: " وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ" وقال تعالى: إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ .
فتبين بهذا أن هذه الشروط دلَّت عليها النصوص وأنه إذا انتفت هذه الشروط فلا بد أن يقع في الشرك، والمشرك كافر بالكتاب والسنة والإجماع قال تعالى: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وقال: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وقال: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا وقال: وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وقال: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وقال: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ فإذا لم يلتزم بهذه الشروط وقع في الشرك، وإن قالها ولم ينقد لحقوقها صار مشركا أيضا؛ لأنه صار معرضا عن دين الله، فتبين بهذا أن هذه الشروط دلَّت عليها النصوص، وأن هذه الكلمة لا بد فيها من هذه الشروط وإلا فلا فائدة منها.
نصيحة لطلبة العلم في ضبط مسائل التوحيد والشرك
السؤال الثامن:
ما هي نصيحتكم لطلبة العلم لمن أراد ضبط مسائل التوحيد والشرك ومسائل الإيمان والكفر؟ وما هي الكتب التي تكلمت عن هذه المسائل وفصَّلتها؟
الجواب:
نصيحتي لطلبة العلم العناية بطلب العلم والحرص عليه وحضور حلقات ودروس العلماء وقراءة الكتب النافعة ككتب الإمام محمد بن عبد الوهاب وأئمة الدعوة وكتب شيخ الإسلام ابن تيمية والعلامة ابن القيم والشيخ محمد بن عبد الوهاب له رسالة في كفر تارك التوحيد اسمها (( مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد ))، وكذا (( الكلمات النافعة في المكفرات الواقعة )) لعبد الله بن محمد بن عبد الوهاب وابن القيم له مؤلفات كثيرة في هذا، وشيخ الإسلام بيَّن كثيرا من ذلك في الفتاوى، والعلماء في كل مذهب فالحنابلة والشافعية والمالكية والأحناف يبوِّبون في كتب الفقه بابا يسمونه: باب حكم المرتد، وهو الذي يكفر بعد الإسلام، ويذكرون أنواعا من الكفر القولية والفعلية والاعتقادية فينبغي الرجوع إليها، ومن أكثر من كتب في هذا من الأنواع الأحناف فقد كتبوا في باب حكم المرتد أنواعا كثيرة قد يوصلونها إلى أربعمائة مكفِّر، وذكروا أن من أنواع الكفر: تصغير المسجد أو المصحف على وزن مسيجد أو مصيحف فينبغي لطلبة العلم أن يعتنوا بهذا، وكتاب (( الدرر السنية في الأجوبة النجدية )) فيها مجلد أيضا في الكفر وأنواعه، والمصادر والمراجع متوفرة والحمد لله.
تكفير المعين
السؤال التاسع:
ما حكم من يقول: ( ليس هناك تكفير للمعين مطلقا )؟
الجواب:
هذا ليس بصحيح؛ المُعين يكفر، نحن نكفِّر اليهودي بعينه والنصراني بعينه ومن قامت عليه الحجة يكفر بعينه؛ لأن معنى هذا الكلام وهو عدم تكفير المُعين أنه لا يكون هناك كافر، ومن قامت عليه الحجة ممن فعل الكفر، والنصراني واليهودي والوثني يكفرون ومن كانت عنده شبهة فإنها تزال الشبهة.
العذر بالجهل
السؤال العاشر:
نرجو التفصيل في مسألة العذر بالجهل؟
الجواب:
مسألة العذر بالجهل بيَّنها العلماء -رحمهم الله- وفصَّلها ابن القيِّم - رحمه الله - في طريق الهجرتين وفي (( الكافية الشافية ))، وذكرها أئمة الدعوة كالشيخ عبد الله أبابطين وغيرهم، وذكر ابن أبي العز شيئا منها في (( شرح الطحاوية ))، وخلاصة القول في هذا: أن الجاهل فيه تفصيل: فالجاهل الذي يمكنه أن يسأل ويصل إلى العلم ليس بمعذور فلا بد أن يتعلم، ولا بد أن يبحث ويسأل، والجاهل الذي يريد الحق غير الجاهل الذي لا يريد الحق، فالجاهل قسمان:
الأول: جاهل يريد الحق. والثاني: جاهل لا يريد الحق، فالذي لا يريد الحق غير معذور حتى ولو لم يستطع أن يصل إلى العلم؛ لأنه لا يريد الحق، أما الذي يريد أن يعلم الحق فهذا إذا بحث عن الحق ولم يصل إليه فهو معذور، والمقصود أن الجاهل الذي يمكنه أن يسأل ولا يسأل أو يمكنه أن يتعلم ولا يتعلم فهو غير معذور.
أما الجاهل الذي لا يمكنه أن يتعلم فهو على قسمين:
جاهل لا يريد الحق فهو غير معذور.
وجاهل يريد الحق ثم بحث عنه ولم يحصل عليه فهذا معذور، والله أعلم.
من كتاب أسئلة وأجوبة في الإيمان والكفر.
http://www.7mlo.com/uploads/60b0bf6a50.gif
------
~ دمتم بودّ ~
والله الموفق**
فهذه بعض الأسئلة والأجوبة في الإيمان والكفر لشيخنا العلامة عبد العزيز الراجحي-حفظه الله تعالى-
الأعمال ركن في الإيمان وجزء منه
السؤال الأول:
هناك من يقول: ( الإيمان قول وعمل واعتقاد لكن العمل شرط كمال فيه )، ويقول أيضا: ( لا كفر إلا باعتقاد )، فهل هذا القول من أقوال أهل السنة أم لا؟
الجواب:
ليست هذه الأقوال من أقوال أهل السنة أهل السنة يقولون: الإيمان هو قول باللسان وقول بالقلب وعمل بالجوارح وعمل بالقلب، ومن أقوالهم: الإيمان قول وعمل؛ ومن أقوالهم: الإيمان قول وعمل ونية، فالإيمان لا بد أن يكون بهذه الأمور الأربعة:
1- قول اللسان وهو النطق باللسان. 2- قول القلب وهو الإقرار والتصديق. 3- عمل القلب وهو النية والإخلاص. 4- عمل الجوارح.
فالعمل جزء من أجزاء الإيمان الأربعة، فلا يقال: العمل شرط كمال أو أنه لازم له فإن هذه أقوال المرجئة ولا نعلم لأهل السنة قولا بأن العمل شرط كمال. وكذا قول من قال: ( لا كفر إلا باعتقاد ) فهذا قول المرجئة ومن أقوالهم: ( الأعمال والأقوال دليلٌ على ما في القلب من الاعتقاد ) وهذا باطل، بل نفس القول الكفري كفر ونفس العمل الكفري كفر كما مر في قول الله تعالى" قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ" أي: بهذه المقالة.
أقسام المرجئة وأقوالهم في مسائل الإيمان
السؤال الثاني:
ما أقسام المرجئة ؟ مع ذكر أقوالهم في مسائل الإيمان؟
الجواب:
المرجئة طائفتان:
الطائفة الأولى: المرجئة المحضة أو الغلاة وهم الجهمية وزعيمهم الجهم بن صفوان فإن الجهم بن صفوان اشتهر بأربع عقائد بدعية هي: 1- عقيدة نفي الصفات وأخذها عنه الجهمية 2- عقيدة الإرجاء وأخذها عنه المرجئة 3- عقيدة الجبر -أي أن العبد مجبور على أعماله- وأخذها عنه الجبرية 4- عقيدة القول بفناء الجنة والنار.
فهذه أربع عقائد خبيثة اشتهر بها الجهم والمرجئة المحضة عقيدتهم في الإيمان أنه مجرد المعرفة، أي مجرد معرفة الرب بالقلب، فمن عرف ربه بقلبه فهو مؤمن، ولا يكون الكفر إلا إذا جهل ربه بقلبه، وبهذا ألزمهم العلماء بأن إبليس مؤمن؛ لأنه يعرف ربه قال الله تعالى عن إبليس: " قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ " ويكون فرعون أيضا مؤمنا لأنه يعرف ربه بقلبه، قال تعالى عنه وعن قومه:" وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ " وذكر ابن القيم - رحمه الله تعالى - في الكافية الشافية فصلا طويلا في بيان معتقد المرجئة المحضة وقال: إنه أخفى هذا مدة ثم أظهره وبيّن أن عقيدتهم مجرد معرفة الرب بالقلب، وأنه لو فعل الأعمال الكفرية مع ذلك، فلا تؤثر في إيمانه، فلو سبَّ الله أو سبَّ الرسول -صلى الله عليه وسلم- أو سبَّ دين الإسلام وقتل الأنبياء والمصلحين وهدم المساجد وفعل جميع المنكرات فلا يكفر ما دام يعرف ربه بقلبه وهذا هو أفسد قول قيل في تعريف الإيمان! وهو قول أبي الحسين الصالحي من القدرية
ويليه في الفساد قول الكرَّامية القائلين: بأن الإيمان هو النطق باللسان فقط، فمن شهد أن لا إله إلا الله بلسانه فإنه يكون مؤمنا، ولو كان مكذبا بقلبه ويسمونه مؤمنا كامل الإيمان، وإن كان مكذبا بقلبه فهو مخلد في النار، فيلزمهم على هذا أن المؤمن الكامل الإيمان مخلدٌ في النار وهذا من أعظم الفساد وهو يلي قول الجهم في الفساد. الطائفة الثانية: مرجئة الفقهاء وهم أهل الكوفة كأبي حنيفة -رحمه الله- وأصحابه وأول من قال بأن الأعمال غير داخلة في مسمى الإيمان هو حماد بن أبي سليمان شيخ الإمام أبي حنيفة وأبو حنيفة له روايتان في حد الإيمان: الأولى: أنه تصديق القلب وقول اللسان، وهذه الرواية عليها أكثر أصحابه. والثانية: أن الإيمان هو تصديق القلب فقط، وأما قول اللسان فهو ركن زائد خارج عن مسمى الإيمان. وعلى هذه الرواية يوافق قول الماتريدية أن الإيمان هو تصديق القلب فقط.
ولكن الأعمال مطلوبة عندهم كالصلاة والزكاة والصوم والحج، فالواجبات واجبات والمحرمات محرمات، ومن فعل الواجب فإنه يستحق الثواب والمدح ومن فعل الكبائر فإنه يستحق العقوبة ويقام عليه الحد، ولكن لا يسمونه إيمانا. يقولون: الإنسان عليه واجبان: واجب الإيمان، وواجب العمل، ولا يدخل أحدهما في مسمى الآخر.
وجمهور أهل السنة يقولون: العمل من الإيمان وهو جزء منه فالأعمال واجبة وهي من الإيمان، ومرجئة الفقهاء يقولون: الأعمال واجبة وليست من الإيمان، ولهذا قال من قال بأن الخلاف بينهم وبين جمهور أهل السنة خلاف لفظي، وقال بهذا شارح الطحاوية، والصواب أنه ليس لفظيا.
الإقرار بالشهادتين مع ترك العمل
السؤال الثالث:
ما حكم من ترك جميع العمل الظاهر بالكلية وهو يقر بالشهادتين ويقر بالفرائض ولكنه لا يعمل شيئا ألبتة فهل هذا مسلم أم لا؟ علما بأنه ليس له عذر شرعي يمنعه من القيام بتلك الفرائض؟
الجواب:
هذا لا يكون مؤمنا، فالذي يزعم أنه مصدِّق بقلبه ولا يقر بلسانه ولا يعمل لا يتحقق إيمانه؛ لأن هذا إيمان كإيمان إبليس وكإيمان فرعون ؛ لأن إبليس أيضا مصدِّق بقلبه، قال الله تعالى عنه:" قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ" وفرعون وآل فرعون قال الله تعالى عنهم:" وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا" فهذا الإيمان والتصديق الذي في القلب لا بد له من عمل يتحقق به فلا بد أن يتحقق بالنطق باللسان ولا بد أن يتحقق بالعمل؛ فلا بد من تصديق وانقياد، وإذا انقاد قلبه بالإيمان فلا بد أن تعمل الجوارح، أما أن يزعم أنه مصدِّق بقلبه ولا ينطق بلسانه ولا يعمل بجوارحه وهو قادر فأين الإيمان؟!! فلو كان التصديق تصديقا تاما، وعنده إخلاص لأتى بالعمل، فلا بد من عمل يتحقق به هذا التصديق وهذا الإيمان؛ والنصوص جاءت بهذا.
كما أن الذي يعمل بجوارحه ويصلي ويصوم ويحج لا بد لأعماله هذه من إيمان في الباطن وتصديق يصححها وإلا صارت كإسلام المنافقين؛ فإن المنافقين يعملون، يصلون مع النبي -صلى الله عليه وسلم- ويجاهدون ومع ذلك لم يكونوا مؤمنين؛ لأنه ليس عندهم إيمان وتصديق يصحح هذا العمل، فلا بد من أمرين لصحة الإيمان:
- تصديق في الباطن يتحقق بالعمل.
- وعمل في الظاهر يصح بالتصديق.
أما تصديق في الباطن دون عمل فأين الدليل عليه؟ أين الذي يصححه؟ أين الانقياد؟.
لا يمكن أن يكون هناك تصديق صحيح لا يصلي صاحبه، ولا ينطق بالشهادتين وهو يعلم ما أعدَّ الله لمن نطق بالشهادتين ولمن تكلّم بكلمة التوحيد من الثواب، ولما أعدّ الله للمصلين من الثواب ولمن ترك الصلاة من العقاب، فلو كان عنده تصديق صحيح، وإيمان صحيح لبعثه على العمل، فلو كان عنده تصديق صحيح وإيمان صحيح لأحرق الشبهات والشهوات؛ فترك الصلاة إنما يكون عن شبهة والمعاصي إنما تكون عن شهوة، والإيمان الصادق يحرق هذه الشهوات والشبهات.
وهذا يدل على أن قلبه خالٍ من الإيمان الصحيح، وإنما هو لفظ باللسان نطق به ولم يتجاوزه، وإلا لو كان عنده تصديق بقلبه أو إقرار بقلبه فقط ولم يتلفظ؛ فقول القلب لم يتجاوز إلى أعمال القلوب، وإلى الانقياد فالمقصود أن الذي يزعم أنه مصدِّق بقلبه ولا يعمل بجوارحه هذا هو مذهب الجهمية
ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: يعسر التفريق بين المعرفة والتصديق المجرد. فيعسر التفريق بين المعرفة بالقلب، والتصديق الذي ليس معه شيء من أعمال الجوارح، ويقول هذا هو إيمان الجهمية -نسأل الله العافية-. فالذي يزعم أنه مؤمن ولا ينطق بلسانه ولا يعمل بجوارحه مع قدرته هذا هو مذهب الجهمية فلا بد من عمل يتحقق به هذا التصديق كما أن الذي يعمل لا بد له من تصديق في الباطن يصححه.
سبَّ الله وسب الرسول
السؤال الرابع:
ما حكم من يسب الله ورسوله ويسب الدين فإذا نُصح في هذا الأمر تعلَّل بالتكسب وطلب القوت والرزق، فهل هذا كافر أم هو مسلم يحتاج إلى تعزير وتعذيب؟ وهل يقال هنا بالتفريق بين السب والساب؟
الجواب:
لا أدري ما معنى التعلل بالتكسب وطلب القوت؟! إن كان المراد أنه إذا قيل له تعلَّم الدين يتعلَّل بالكسب، التعلُّم شيء آخر لكن الآن نحكم عليه بهذا السب ونقول: من سب الله أو سب رسوله -صلى الله عليه وسلم- أو سب الدين فإن هذا كفر باتفاق أهل السنة والجماعة أما مسألة التعلل بالكسب وطلب القوت إذا قيل له تَعَلَّمْ دينك؛ فهذا التعلل باطل ويجب على الإنسان أن يتعلم ما يقيم به دينه؛ كما أنه يطلب الكسب والقوت، فيجب عليه أن يتعلم دينه؛ يتعلم ما يصح به إيمانه؛ يتعلم ما أوجب الله عليه من الاعتقاد الصحيح وأن الله مستحق للعبادة وحده؛ وما أوجب الله عليه من الطهارة والصلاة والصوم والزكاة والحج، فهذا التعلل لا وجه له.
فإذا قيل له: تعلَّمْ ما أوجب الله عليك أو اسأل العلماء عن مقالتك هل هي كفر أم غير كفر تعلل بالكسب فهذا باطل؛ لأن الكسب لا يمنع الإنسان من تعلم دينه وتعلم أن هذه المقالة كفرية أو يسأل عنها؛ لأن الكسب لا يأخذ وقتا كثيرا والكسب له أوقات واسعة وليس هناك فرق بين السب والساب فنقول: من سب الله أو سب الرسول -صلى الله عليه وسلم- أو سب دينه فهو كافر والساب كافر؛ لأنه لا عذر له في هذا، والذي يعذر فيه إنما هي الكلمات التي فيها إيهام؛ فهذا الذي يفرق فيها بين المقالة والقائل فلو تكلم الإنسان بكلم موهمة أو كلمة يحتمل أن يكون لصاحبها عذر فهذا الذي يقال فيه بالفرق بين المقالة والقائل فيقال: المقالة كفرية والقائل لا يكفر إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع وقامت عليه الحجة؛ أما من سب الله وسب رسوله -صلى الله عليه وسلم- وسب دينه فهذا أمر واضح لا إشكال في كفره.
هل القول بكفر تارك جنس العمل من أقوال المرجئة
السؤال الخامس:
ما حكم من يقول بأن من قال: أن من ترك العمل الظاهر بالكلية بما يسمى عند بعض أهل العلم بجنس العمل أنه كافر، أن هذا القول قالت به فرقة من فرق المرجئة ؟
الجواب:
لا أعلم أن هذا القول قالت به المرجئة ولكن لا بد من العمل كما سبق؛ لأن من أقر بالشهادتين فلا بد أن يعمل؛ لأن النصوص التي فيها الأمر بالنطق بالشهادتين وأن من نطق بالشهادتين فهو مؤمن مقيّدة بقيود لا يمكن معها ترك العمل، وقد ثبت في الحديث الصحيح عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" من قال: لا إله إلا الله خالصا من قلبه دخل الجنة" وقوله:" خالصا من قلبه "هذا ينفي الشرك؛ لأن الإخلاص ينافي الشرك، ومن ترك العمل فهو مشرك؛ لأنه عابدٌ للشيطان؛ ولأنه معرض عن دين الله، ومن أعرض عن دين الله كفر.
وكذلك جاء في الأحاديث:" من قال لا إله إلا الله مخلصا" وفي بعضها: " صادقا من قلبه" وفي بعضها:" مستيقنا بها قلبه" وفي بعضها:" وكفر بما يعبد من دون الله" فهذه النصوص التي فيها أن من نطق بالشهادتين فهو مؤمن مقيدة بهذه القيود التي لا يمكن معها ترك العمل فلا بد أن يكفر بما يعبد من دون الله، ومن لم يعمل فإنه معرض عن دين الله، وهذا نوع من أنواع الردة، فمن لم يعمل مطلقا وأعرض عن الدين لا يتعلمه ولا يعبد الله فهذا من نواقض الإسلام قال تعالى:" وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ"فلا بد أن يعمل فإذا قال:" لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه" وقالها عن إخلاص وفي بعضها:" وهو غير شاك" فلا بد أن يعمل، ولا يمكن أن يتكلم بكلمة التوحيد عن صدق وإخلاص ولا يصلي أبدا وهو قادر؛ لأنه إذا ترك الصلاة دل على عدم إخلاصه ودل على عدم صدقه ودل على أن قلبه ليس مستيقنا بها، ولو كان قلبه مستيقنا بها، وكان عنده يقين وإخلاص وصدق لا بد أن يعمل فإن لم يعمل دل على عدم إيمانه وعدم يقينه وعدم إخلاصه وعدم صدقه، ودل على ريبه وشكه، وهذا واضح من النصوص.
حكم من قال إخواننا النصارى
السؤال السادس:
من قال: ( إخواننا النصارى )! فما حكم هذا القول؟
الجواب:
إذا كان يعتقد أن دينهم صحيح وأن مذهبهم صحيح وأنهم على حق وأنه يوافقهم في دينهم فهذا كفر وردة، وأما لو قال: ( إخواننا النصارى ) غلطة أو سبقة لسان أو خطأ أو له شبهة فقد لا يكفر، فهذا فيه تفصيل.
شروط لا إله إلا الله
السؤال السابع :
ما الدليل على مشروعية شروط شهادة: أن لا إله إلا الله، من العلم والانقياد والصدق والإخلاص والمحبة والقبول واليقين، وما الحكم فيمن يقول:( تكفي شهادة أن لا إله إلا الله بمجرد قولها دون هذه الشروط )؟
الجواب:
سبق بيان أن كلمة التوحيد لا بد لها من شروط وأن هذه الشروط دلَّت عليها النصوص، قال -صلى الله عليه وسلم-:" من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه دخل الجنة" وفي بعض الروايات:" صدقا من قلبه" وفي بعضها:" وكفر بما يعبد من دون الله" والانقياد لا بد منه؛ لأنه لا بد من العمل؛ لأن هذه الشروط تقتضي الانقياد وكذلك القبول، فهذه الشروط التي دلَّت عليها النصوص من الإخلاص وعدم الشك والريب والصدق واليقين؛ هذه تستلزم القبول والمحبة، فدلَّت هذه النصوص على أن هذه الشروط لا بد منها فمن قال: لا إله إلا الله بلسانه ولم يلتزم بشروطها من الإخلاص والصدق والمحبة والانقياد فهو مشرك والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول:" من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرُم ماله ودمه وحسابه على الله" وهذا لم يكفر بما يعبد من دون الله، ومعنى ذلك أنه لم يأت بهذه الشروط فانتقضت هذه الكلمة حيث قالها بلسانه ونقضها بفعله؛ لأن ( لا إله إلا الله ) معناها: لا معبود بحقٍّ إلا الله، فإذا عبد غير الله نقض هذه الكلمة، وكذلك إذا قال: ( لا إله إلا الله ) عن كذب ولم يقلها عن صدق فهذا منافق؛ كفَّره الله تعالى بقوله: " وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ" وقال تعالى: إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ .
فتبين بهذا أن هذه الشروط دلَّت عليها النصوص وأنه إذا انتفت هذه الشروط فلا بد أن يقع في الشرك، والمشرك كافر بالكتاب والسنة والإجماع قال تعالى: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وقال: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وقال: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا وقال: وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وقال: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وقال: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ فإذا لم يلتزم بهذه الشروط وقع في الشرك، وإن قالها ولم ينقد لحقوقها صار مشركا أيضا؛ لأنه صار معرضا عن دين الله، فتبين بهذا أن هذه الشروط دلَّت عليها النصوص، وأن هذه الكلمة لا بد فيها من هذه الشروط وإلا فلا فائدة منها.
نصيحة لطلبة العلم في ضبط مسائل التوحيد والشرك
السؤال الثامن:
ما هي نصيحتكم لطلبة العلم لمن أراد ضبط مسائل التوحيد والشرك ومسائل الإيمان والكفر؟ وما هي الكتب التي تكلمت عن هذه المسائل وفصَّلتها؟
الجواب:
نصيحتي لطلبة العلم العناية بطلب العلم والحرص عليه وحضور حلقات ودروس العلماء وقراءة الكتب النافعة ككتب الإمام محمد بن عبد الوهاب وأئمة الدعوة وكتب شيخ الإسلام ابن تيمية والعلامة ابن القيم والشيخ محمد بن عبد الوهاب له رسالة في كفر تارك التوحيد اسمها (( مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد ))، وكذا (( الكلمات النافعة في المكفرات الواقعة )) لعبد الله بن محمد بن عبد الوهاب وابن القيم له مؤلفات كثيرة في هذا، وشيخ الإسلام بيَّن كثيرا من ذلك في الفتاوى، والعلماء في كل مذهب فالحنابلة والشافعية والمالكية والأحناف يبوِّبون في كتب الفقه بابا يسمونه: باب حكم المرتد، وهو الذي يكفر بعد الإسلام، ويذكرون أنواعا من الكفر القولية والفعلية والاعتقادية فينبغي الرجوع إليها، ومن أكثر من كتب في هذا من الأنواع الأحناف فقد كتبوا في باب حكم المرتد أنواعا كثيرة قد يوصلونها إلى أربعمائة مكفِّر، وذكروا أن من أنواع الكفر: تصغير المسجد أو المصحف على وزن مسيجد أو مصيحف فينبغي لطلبة العلم أن يعتنوا بهذا، وكتاب (( الدرر السنية في الأجوبة النجدية )) فيها مجلد أيضا في الكفر وأنواعه، والمصادر والمراجع متوفرة والحمد لله.
تكفير المعين
السؤال التاسع:
ما حكم من يقول: ( ليس هناك تكفير للمعين مطلقا )؟
الجواب:
هذا ليس بصحيح؛ المُعين يكفر، نحن نكفِّر اليهودي بعينه والنصراني بعينه ومن قامت عليه الحجة يكفر بعينه؛ لأن معنى هذا الكلام وهو عدم تكفير المُعين أنه لا يكون هناك كافر، ومن قامت عليه الحجة ممن فعل الكفر، والنصراني واليهودي والوثني يكفرون ومن كانت عنده شبهة فإنها تزال الشبهة.
العذر بالجهل
السؤال العاشر:
نرجو التفصيل في مسألة العذر بالجهل؟
الجواب:
مسألة العذر بالجهل بيَّنها العلماء -رحمهم الله- وفصَّلها ابن القيِّم - رحمه الله - في طريق الهجرتين وفي (( الكافية الشافية ))، وذكرها أئمة الدعوة كالشيخ عبد الله أبابطين وغيرهم، وذكر ابن أبي العز شيئا منها في (( شرح الطحاوية ))، وخلاصة القول في هذا: أن الجاهل فيه تفصيل: فالجاهل الذي يمكنه أن يسأل ويصل إلى العلم ليس بمعذور فلا بد أن يتعلم، ولا بد أن يبحث ويسأل، والجاهل الذي يريد الحق غير الجاهل الذي لا يريد الحق، فالجاهل قسمان:
الأول: جاهل يريد الحق. والثاني: جاهل لا يريد الحق، فالذي لا يريد الحق غير معذور حتى ولو لم يستطع أن يصل إلى العلم؛ لأنه لا يريد الحق، أما الذي يريد أن يعلم الحق فهذا إذا بحث عن الحق ولم يصل إليه فهو معذور، والمقصود أن الجاهل الذي يمكنه أن يسأل ولا يسأل أو يمكنه أن يتعلم ولا يتعلم فهو غير معذور.
أما الجاهل الذي لا يمكنه أن يتعلم فهو على قسمين:
جاهل لا يريد الحق فهو غير معذور.
وجاهل يريد الحق ثم بحث عنه ولم يحصل عليه فهذا معذور، والله أعلم.
من كتاب أسئلة وأجوبة في الإيمان والكفر.
http://www.7mlo.com/uploads/60b0bf6a50.gif
------
~ دمتم بودّ ~
والله الموفق**