آخـــر الــمــواضــيــع

شركة نقل عفش بالمدينة المنورة 0554901277 أسماء المدينة » الكاتب: ياسر حسن » آخر مشاركة: ياسر حسن نقل اثاث بالمدينة المنورة 0554901277 أسماء المدينة » الكاتب: ياسر حسن » آخر مشاركة: ياسر حسن شركة نقل عفش و اثاث بالمدينة المنورة 0554901277 أسماء المدينة » الكاتب: ياسر حسن » آخر مشاركة: ياسر حسن نقل عفش بالمدينة المنورة 0554901277 أسماء المدينة » الكاتب: ياسر حسن » آخر مشاركة: ياسر حسن تنظيف خزانات بالمدينة المنورة 0554901277 أسماء المدينة » الكاتب: ياسر حسن » آخر مشاركة: ياسر حسن نقل عفش بالمدينة المنورة 0568938262 شركه قصر الشيماء » الكاتب: ياسر حسن » آخر مشاركة: ياسر حسن نقل عفش بالمدينة المنورة 0568938262 شركه قصر الشيماء » الكاتب: ياسر حسن » آخر مشاركة: ياسر حسن شركه فك و تركيب الاثاث قصر الشيماء 0568938262 » الكاتب: ياسر حسن » آخر مشاركة: ياسر حسن spbTv برنامج تلفزيون مجاني كامل جميع القنوات » الكاتب: طارق ابو سعيد » آخر مشاركة: طارق ابو سعيد تحميل برنامج نود 32 مجانا 2017 Eset Nod32 Antivirus » الكاتب: ميرو مدحت » آخر مشاركة: ميرو مدحت
صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 12
إعادة نشر((شذرات من أقبية الأبالسة)) , شذرات من أقبية الأبالسة مذكرات من خلف أسوار السجون المغربية بقلم سجين مغربي تلقى مركز المقريزي مذكرات (شذرات من أقبية الأبالسة) كتبها أحد الدعاة الإسلاميين في السجون المغربية وهي عبارة ...
  1. #1
    زيزوم فـعّـال الصورة الرمزية ابو نزار البيضاوي
    تاريخ التسجيل
    Oct 2009
    المشاركات
    155

    افتراضي إعادة نشر((شذرات من أقبية الأبالسة))

    إعادة نشر((شذرات أقبية الأبالسة))






    شذرات من أقبية الأبالسة




    مذكرات من خلف أسوار السجون المغربية




    بقلم سجين مغربي



    تلقى مركز المقريزي مذكرات (شذرات من أقبية الأبالسة) كتبها أحد الدعاة الإسلاميين في السجون المغربية وهي عبارة عن خواطر ومشاهدات يومية صور فيها حياة هؤلاء المساكين المظلومين الذين يقبعون منذ أزمنة متفاوتة في زنازين مقفرة بنيت على أشلاء الأبرياء، يحيط بها حشود غادرة، وأسوارعاتية عالية، عليها حراس غلاظ لا يعرفون للرحمة سبيلاً!

    وقد نحت كاتب هذه المذكرات وهو لا يزال قابعاً في السجن! هذه المعاناة اليومية بمداد الألم ومحبرة الحسرة والوجل والثقة أيضاً في معية الله وحفظه لهم!

    لقد نحت فصولها على شموع الهموم، وخقان قلب مكلوم، وأذن صاغية مترصدة لطرق سجان غشوم! يمزق الليل بصراخه ها نحن أولاء سيدي المأمور! قد عثرنا على قصاصة يتيمة! ستقودنا لخلية في السجن تقوض أمن دولتنا الرشيدة!!
    لكن صاحبنا يثابر ويجالد ويلملم ما تبعثر من أفكار وحوادث ويخبئها في وعاء لا يصل إليه إلا رب العالمين!
    لقد حفر ظلم الليالي في ذاكرته التي سربها من كوة الزنانة إلى الفضاء الرحب! ونحن بدورنا في مركز المقريزي لم نشأ أن نثقف المذكرات ونعيد صياغتها أو ننشرها في ثوب قشيب! لكننا آثرنا أن ننشرها كما هي بلغتها التي كتبت بها دون تصحيح أو تعديل لتلامس شغاف قلوب رحيمة تعايش محنة هؤلاء المظلومين بغية رفع الضر عنهم والتنديد بجلاوزة التعذيب وزعمائهم المستكبرين في الأرض بغير الحق.



    (دكتور هاني السباعي مدير مركز المقريزي)




    لندن في يوم الخميس 17 من ذي القعدة 1430هـ







    باسم الله الرحمن الرحيم




    الإهداء




    إلى القابضين على الجمر في زمن الغربة والغرباء...


    إلى ضحايا الحرب الصهيوصليبية القابعين خلف الأسوار...


    إلى من تجرؤوا على قول لا حين قال الجميع نعم...


    إلى من رفضوا الذل والخنوع في زمن الانكسار...


    إلى من يسطرون تاريخ أمتهم ويعيدون صياغته بدمائهم وأشلائهم...


    إلى الفارين بدينهم في الشعاب والمغارات والجبال...


    إلى العلماء الأسرى الذين رفضوا أن يقتاتوا بكلمات الله...


    إلى الشيخ الحجة العالم الضرير الثابت عمر عبد الرحمن...


    إلى العلامة الموسوعة أبي قتادة الفلسطيني في سجنه...


    إلى شباب الإسلام في مغرب الإسلام الجريح وفي كل مكان...


    إلى المجاهدين في كل مكان في مشارق الأرض ومغاربها...


    نشد على الأيادي المتوضئة بطهر الجهاد ...


    اللهم لا تحرمنا أجورهم...اللهم لا تحرمنا أجورهم...آميييييييين.




    مقدمة لابد منها




    بادئ ذي بدء أنبه القارئ الكريم وأقر وأعترف وأبصم بالعشرة بدل الإبهام وحدها. على أنني لست بكاتب ولا من هواتها, بل لم أحاول مجرد المحاولة من قبل, ناهيك أن يخطر ببالي يوما ما أنا بصدده اليوم من إطلالة ** بتفاهاتي} هاته وعرضها على من سيتيسر له الإطلاع عليها من جمهور النت الذي يتزايد عدده يوما بعد يوم. وهي الوسيلة التي أضحت ملاذ المظلومين وصوت من لا منبر له من أبناء الملل عامة وملة الإسلام خاصة.




    لهذا فإنني أستسمح القارئ الكريم على هذا التطفل الذي أرغمت عليه بعد إلحاح شديد من أحد أعز رفاق المحنة والقيد الذي ضل يلاحقني لسنوات عدة مذ قراءته لبعض من خربشاتي التي كنت أخطها على ورق خاص أصنعه من علب الحليب الكرتونية بقلم رصاص لا يتجاوز حجمه عقب سيجارة كنا نخفيه بإحكام في ثقب مموه على جدار مرحاض الزنزانة التي جمعتنا في أيام السجن الأولى, وقبل أن( تفتح لنا الدنيا ذراعيها) ونحصل على أوراق وكتب وحتى التلفاز والهاتف وبعضا من الكرامة والآدمية التي انتزعناها بعد سلسلة إضرابات عن الطعام فقدنا فيها بعضا من إخواننا وكيلوغرامات من أوزاننا وخرج منها الكثيرون بعلل لا تعد وشحناء كادت تعصف بالصف كان الخلاف بشأن التأصيل الشرعي للإضراب عن الطعام سببا في انطلاقتها وإذكاء جذوتها.




    حين اقتنعت على مضض بفكرة الأخ السالف الذكر فرج الله عنه, وجدتني قد فقدت جل تلك الأوراق التي كنت أعمد إلى نقعها في الماء بعد تمزيقها قطعا صغيرة حتى يسهل جريانها في بالوعة المرحاض خوفا من حملات التتار. وهي التسمية التي نطلقها على فرق التفتيش التي ينتقى أفرادها من بين أخبث وأقذر حراس السجن. فلا يتوانى الواحد منهم عن إدخال يده في ثقب المرحاض. ويقرأ بتهج علب الأدوية. ويعمد إلى خلط مسحوق الغسيل مع حصة العدس ويقلب كل شيء رأسا على عقب بغية الاستفزاز.




    فاضطررت إلى العودة إلى ذاكرتي المثقوبة كغربال محاولا عصرها لمقاومة إحدى آفات السجن ومخلفاته الخطيرة على السجين وهي النسيان,مستعينا ببعض شهادات الإخوة وتجميع وقائع وأحداث وطرائف ليكتمل هذا العمل الذي أحتسبه عند الله عز وجل. وأتمنى أن يوفي الغرض الذي كتب لأجله من فضح للظالمين, ونصرة للمظلومين واستنصارا للموحدين, ولنقول ولنرفع عقيرتنا لمن له أذن أو أصغى السمع للنداء.




    نحن هنا,,,,نحن هنا,,, نحن إخوانكم,,, فلا تبخلوا علينا بواجب النصرة, وأقله الدعاء,والحبيب الصادق المصدوق يقول: فكوا العاني,فكوا العاني.




    أعود وأستسمح للمرة الألف القارئ الكريم إن أنا شططت في العبارة أولم أوفق في الإحاطة بالموضوع كما ينبغي أو زللت وأخطأت فالكمال لله وحده. وكم أكون سعيدا إن كتب لتعليقات القراء أن تتسرب وتصلني خلف هذه الجدران بعد كل حلقة تنشر,كما كتب لمحاولتي هذه أن تتسرب خارجها. خاصة ملاحظات ونقذ أهل التخصص في مجال الكتابة الأدبية. علي أستطيع تدارك بعض من أخطائي في الحلقات التي تليها. فلا تبخل علي أخي وأختي بالمساعدة والنصح والتوجيه حتى يكتمل المشروع ويوفي الغرض والمأمول منه ونقتسم أجر ذلك معا بإذن الله.




    ملاحظات لابد منها




    1-هذه المادة هي عبارة عن مذكرات وشهادات وخواطر حاولت وحرصت على تقديمها بأسلوب سهل سلس يستوعبه الجميع باختلاف مستوياتهم الثقافية والتعليمية. لهذا فإنني أعتذر عن الركاكة في التعبير وعدم تناسق الأفكار وترابطها.




    2- حين كتبت هذه المذكرات والخواطر لأول مرة حشوتها باللهجة العامية المغربية لأنني حينها لم أكتبها للنشرعلى مستوى القارئ العربي. لهذا فقد راجعت هذا الأمر قدر المستطاع وتركت اللهجة العامية في بعض المواضع مع ترجمتها للفصحى لتقريب الفهم ما أمكن .




    3- قد يلاحظ القارئ الكريم بعضا من الكلمات أو المواقف التي تخدش الحياء. فما أنا سوى ناقل وراو لتقريب القاريء من الوضع ما أمكن ذلك.. والقاعدة تقول أن ناقل الكفر لا يكفر.


    4- تعمدت نشر هذه المذكرات على حلقات أو دفعات بناء على نصيحة الأخ المكلف بنشرها لعدة أسباب أولها: ما ذكرته آنفا , وهو قراءة تعليقات القراء بعد نشر كل حلقة للإستفاذة منها في التصويب والتصحيح في الحلقات التي تليها.




    5- ربما قد تغيب أو تتوقف هذه السلسلة لمدة من الزمن وذلك راجع لظروف المكلف بنشرها على النت أو تعسر وصولها إليه أو تأخرها أو ما قد يطرؤ من أسباب لا نعلمها, نسأل الله الحفظ والسلامة لكل الإخوة.




    6- ألح وأهيب بكل الإخوة والأخوات العمل على نشر هذه المذكرات على أوسع نطاق على الشبكة العنكبوتية ,على المواقع والمنتديات, إسلامية وغير إسلامية ,أدبية,فنية,رياضية,حقوقية,صحافية....إلخ. تعاونا على البر والتقوى وفضحا للظالمين ونصرة للأسرى الموحدين. والله لا يضيع أجر المحسنين فلا تحقرن أخي أختي من المعروف شيئا وإن قل.




    7- أسأل كل من اطلع على هذه المادة الدعاء لمن كتبها أو ساعد على نشرها وإيصالها للعالم.





    شذرات من أقبية الأبالسة





    مذكرات ضحية من زمن الإنصاف والمصالحة المزعومة[1]





    1




    الرابعة صباحا.... أفقت مذعورا أرتجف... كانت الضربات القوية تهز الباب هزا عنيفا...والجرس يرن دون توقف يوقظ الكامن في قلبي... ابنة أخي الصغيرة تصرخ في هلع وتتشبث بتلابيب أمها.... شقيقتي تقف مشدوهة مصدومة كالبلهاء وكأنها فقدت صوابها.... وقع أقدامهم يزلزل سقف البيت .ينطون فوق الجدران وأسطح الجيران كأفراد عصابة سطو محترفة .... انهارت والدتي المسكينة وبدأ جسدها يرتجف وهي تبكي وتشهق بحرقة لا مثيل لها من هول الصدمة مرددة.


    ...هذا ما كنت أخشاه يا بني...هذا ما كنت أخشاه...."




    همست لها بعد أن عانقتها وأنا ألهث كحصان رهان مهزوم,محاولا التخفيف عنها والتهديء من روعها لا أدري كيف خرجت الكلمات من فمي... لقد عادوا ... اصبري يا أمي... اصبري فلك أجر عند الله...




    ما إن فتح أخي الباب حتى صرعوه أرضا على ظهره .... تدفقوا كالكلاب الجائعة أو الوحوش المنفلتة من أقفاصها.




    وبدأوا ينشبون سكاكينهم وأيديهم في الأفرشة والوسائد ,وهم يطلقون أقذع الشتائم وألفاظ السوق...احتج أخي في أدب وخوف قائلا.


    نحن أسرة محترمة ... ولم نرتكب أي جريمة حتى تعاملونا هكذا...


    كلكم تكررون نفس الأسطوانة ... قال أحدهم.


    اسألوا عنا كل الجيران ... أقسم بالله العظيم...




    قاطعه كبيرهم مرة أخرى" نحن لانظلم أحدا ولا نلفق التهم دون أدلة "... (اللي دار راسو في النخالة كينقبو الدجاج)




    شجع الحوار الهادئ نسبيا شقيقي وجرأه أكثر.


    لو سمحتم أريد أن أعرف من أنتم وأريد رؤية إذن الوكيل العام بالتفتيش؟؟


    قهقه قائدهم ثم اقترب منه وجذبه من كم منامته صارخا في وجهه بعنف.




    تريد الهوية وإذن الوكيل العام يا أستاذ ". خذ هاهو الإذن": وبحركة خبير متمرن صعقه بعصاه الكهربائية على خده.خارت قوى شقيقي فسقط أرضا مغمى عليه...ازدادت صرخات النساء والأطفال ارتفاعا دون أن يعبأ بهم أحد... ثم جروني إلى الخارج حافي القدمين دون أن يمهلوني لانتعال حذائي حتى.




    حاولت والدتي المسكينة التشبث بي ومنعهم وهي تبكي وتصيح :


    " خذوني مكانه إنه مريض إنه مريض"


    حين فشلوا في إقناعها بأني سأعود بعد ساعتين على الأكثر لأن الأمر لا يعدو أن يكون إجراءا بسيطا وبضعة أسئلة. قذفوها كالكرة في الممر المؤدي إلى الدرج وسحبوني....




    ها قد عادت الأيام االسوداء مرة أخرى.... أين المفر؟؟إنه قدري الذي لا مفر ولا فكاك منه . لكن ما يجري هذه المرة يبدو أنه ليس كالمرات السابقة ... الخطر ماحق... ومنذ صدور التقرير الأمريكي الذي صنف أبناء هذا البلد على رأس قا ئمة من يعكرون صفو حلمهم بمشروع عالم إسلامي جديد ويظنكون عيشهم بدمائهم وأشلائهم على أرض الرافدين... صاروا منذ ذاك الحين كالكلاب المسعورة."حرك السيد السوط فضاعف العبد المجهود".




    هل نصيبي أن أعاني مرة أخرى وأ تعذب... فلم أكد أصدق أن خلاصي منهم قد حان حتى وقعت بين أيديهم من جديد...




    الصدمة والمفاجأة تسيطر علي, رجحت أن الأمر قد كشف. كنت على وشك الرحيل إلى غير رجعة. نعم إلى غير رجعة. قررت أن أترك لهم الجمل وما حمل,وإن كنت لا أملك لا جمل ولا حمل. بل حتى ثمن كيلو من شحم سنامه لم أجده يوم احتجته كعلاج شعبي وصف لي لتسكين آلام صدري.


    وأنا أنزل معهم الدرج... درج البيت خارت قواي... فشلت ركبتاي... دارت بي الأرض... تبخرت أحلامي الجميلة ... واسود كل شيء أمامي ... تبا لهم... لو أمهلوني أسبوعا فقط... أسبوعان على الأكثر... لقبضوا على الريح , ولم يقبضوا علي....




    جلبة وضوضاء غير معهودة تعم الحي في ذاك الوقت المتأخر من الليل... استفاق جل الجيران بعد أن أرغموا بعضهم على فتح أبوابهم واستعمال أسطح منازلهم للهجوم على بيتنا... أسلوب لإرهاب الناس وإنذار لكل من تسول له نفسه شيئا. الخبثاء يعلمون علم اليقين أنني لست مسلحا,ولا أشكل أي خطر على أي أحد. والعملية لن تحتاج لأكثر من فردين فقط, أو استدعاء للمثول بين أيديهم. أنا ضعيف البنية, معتل الصحة, رغم هذا فكل أصناف السيارات هنا. جيش من العمالقة احتل المكان اختيروا بعناية. لا يقل طول الواحد منهم عن المترين مدججين بالأسلحة. هالني المنظر وازداد رعبي ويقيني في أنها نهايتي.




    وهم يعبرون بي الزقاق الضيق صوب السيارة التي ستقلني نحو المجهول=المعلوم..


    تعالى فجأة صياح و صراخ احتجاج. حمدت الله,لا يزال في هذه الأمة من يرفض الظلم ويجهر باللهم إن هذا منكر.




    زال عجبي حين عرفت من يكون ووصلت كلماته مسامعي . إنه هو ,عبد الله. صادفت عودته كعادته في ذاك الوقت المتأخر من الليل وجود الزوار. منذ فتحت عيني في هذا الزقاق وأنا أعرفه على هذه الحالة. لا يكاد يصحو إلا في رمضان. مع ذلك كان يكن لي احتراما خاصا رغم أنني في سن أصغر أبنائه الذين (حركوا)=هاجروا سرا للضفة الشمالية بعد وفاة والدتهم وزواجه من بدوية في سن أصغرهم. لطالما أيقظتني الوالدة في جوف الليل للتدخل وإنقاذها من ركلاته ولكماته كلما عاد ثملا مهزوما في حلقات القمار.




    في اليوم الموالي كان يعتذر لي أشد الاعتذار ويعدني بالتوبة وعدم التكرار مع التزام الصلاة بمسجد الحي.




    يصرخ ويلعن...يرغي ويزبد...مترنحا وزوجته تحاول ثنيه وإدخاله بيته وهي تردد محاولة إلجام فمه بكفها (راه أحمق أسيدي ما تديوش عليه ,راه أحمق وعندو وراق السبيطار...)= إنه أحمق يا سيدي لا تلتفتوا لكلامه. إنه أحمق وعنده أوراق المستشفى التي تتبث ذلك.




    وهو يقاومها ويصيح: (الأحمق هو أبوك...هذا دري زوين ماعمرنا شفنا عليه شي حاجه خايبه. غير الدار للجامع الجامع للدار...سيرو شدوا كروش الحرام ...آش بغيتو عندو آولاد الق...)


    هذا شاب طيب لم نر منه شيئا سيئا. من البيت للمسجد ومن المسجد للبيت ...إذهبوا وألقوا القبض على أصحاب البطون المنتفخة بالحرام...ماذا تريدون منه يا أبناء العاهرات...




    لم يكد يكمل حتى رفع في الهوا...ذاب صراخه وسبابه ونحيبه وسط هدير محرك السيارة التي أركبوني إياها.


    ستصير واقعته لاشك حديث المجالس وقد تغطي بعض الشيء على حكايتي مع إضافة المزيد من البهارات والتوابل قصد التشويق والمتعة وتجزية الوقت وقتل الفراغ. تبا لهم...لكل المهووسين المسكونين بالإشاعة والمبالغة. حتى والدتي كادت بدورها أن تصدق ما روجوه عن وجود أسلحة ومتفجرات في العلب الكرتونية التي جمعوا فيها كل كتبي وأشرطتي وحاسوبي المتهالك, وحرصوا كل الحرص على إظهارها واستعراضها أمام الجيران قبل شحنها بكل عناية في سيارة خاصة محروسة غير تلك التي أقلتني...كان أول ما سألتني عنه في أول زيارة لي بعد إحالتي على السجن هو محتوى العلب الكرتونية التي أخرجوها من غرفتي...




    أجلسوني في وسط المقعد الخلفي...أحاط بي اثنان من الغلاظ الشداد واحد عن يميني والآخر عن شمالي ...كبلوا يدي للخلف في عنف وقيدوا رجلي بأصفاد خاصة بالأقدام...تذكرت زمن العبيد المرحلين قسرا من أوطانهم صوب العالم الجديد أمريكا بعد الإكتشاف . تفو ... تفو ... تفو ...ألف مرة على هذا الكريستوف كلومبس مكتشف هذا الطاعون...





    أدخلوا رأسي في كيس خانق...كل شيء يتم ويسير على الطريقة الأمريكية الهليودية لها الريادة في كل شيء...إنه زمن العبيد...زمن أمريكا ...ومحاكاة أمريكا ...ونصرة أمريكا والويل والثبور لمن غضبت عليه اللقيطة الشرسة. حبل صدام لا يزال متدليا يتأرجح لتذكير كل من سولت له نفسه العصيان...




    انطلقت كالسهم تشق هدوء الليل البهيم. رن الهاتف..أجاب أحدهم ...نعم سيدي ...نعم سيدي الأمانة معانا ...كن هاني سيدي...بعد انتهاء المكالمة أنزلوا رأسي بين ركبتي بعنف وشدة. تقوس ظهري . ضغطوا عليه بقوة مع كلمات تحذيرية ...كلما حاولت التململ زاد من بجواري في الضغط علي أكثر وضرب بقبضة يده الغليظة على قفاي ...(نزل لمك راسك لتحت...)




    رن المحمول من جديد...(نعم سيدي احنا في الأوتوروت) = الطريق السيار...عرفت الوجهة زاد هلعي وانقباض صدري...خفقان قلبي...وبدأ مغص بطني الفظيع في مثل هذه المواقف...يبدو أن القوم مستعجلون متلهفون للقائي...




    تمتمت ببعض الأدعية...أعوذ بكلمات التامات من شر ما خلق. اللهم إني أجعلك في نحورهم وأعوذ بك من شرورهم. أحس بي من بجانبي فخاطبني ساخرا (سمعنا باش نقولو وراك آمين)=سمعنا لنؤمن على دعائك.


    غص ما تحت السماوات وفوق الأرضين بعيون المخبرين...


    لكل إنسان لدينا تهمة تمشي ويمشي معها ألف كمين...


    نصفها في داخل السجن ونصف خارج السجن سجين...


    ليتني رحلت معه ولم أتأخر...


    " نموت مع الرجال خير لنا من هذا الجحيم الذي لا يطاق" هكذا كان يحدثني ويكرر على مسامعي صديق المحنة الأولى- ع- منذ أطلقوا سراحنا بعد ثلاثة أشهر من العتمة والعذاب والبشاعة...هنيئا لك يا -ع - لو كنت هنا لساقوك .لكن يبدو أنني سأؤدي نيابة عنك, والأداء لا شك أنه سيكون عسيرا هذه المرة . رأيت ذلك في عيونهم ولمسته من تصرفاتهم وشراستهم...




    "لم تعد البلد بلدنا والأرض أرضنا أصبحنا كالمصابين بالجذام المعدي...الكل صار يفر منا خوفا من الشبهة ومن بطش خفافيش الظلام...


    حتى الأقارب يخافون من زيارتنا ويتحرجون من زيارتنا لهم وصلة أرحامهم بل إن بعضهم يفكر في تغيير اسمه العائلي..."




    كنت أتهمه بالمبالغة وأنعته بالموسوس حين كان يحدثني أنهم قد دسوا لنا العيون والآذان في كل مكان. وكان يقسم لي أنهم لن يتركوننا في سلام وأن التهمة لن تفارقنا حتى وإن ولجنا قبورنا...ويستدل لي على ذلك بحادثة حسن الذي غيبوه شهورا عدة , وبعد أن تركوه مات في حادثة سير غامضة –ع- على الطريق الرابط بين العاصمة ومدينة القنيطرة. كل من شيعوا جنازته أو زاروا قبره للترحم عليه ابتلعهم الأخدود.




    ويتابع قائلا "لا تغتر أنهم أطلقوا سراحك...والله لم يتركوك إلا ليعيدوك بملف ضخم هذه المرة بعد أن تكون طعما لغيرك كما فعلوا بفلان..وفلان...وفلان...وعلان... ليس أمامنا إلا أن نتحول إلى جواسيس أو نرحل إلى أرض بعيدة...بعيدة جدا ...ثم يتابع في إلحاح وحماس محاولا إقناعي ... "أنسيت ما قاله لك (الحاج)في آخر استدعاء ؟؟؟ ألم يقل لك أن من مصلحتك ومصلحة البلاد أن تتعاون معهم ...ألم تفهم ماذا يقصد بالتعاون؟؟؟ "




    انتفضت يوما في وجهه أو اصطنعت ذلك لاستفزازه ودفعه للإفصاح عما كان يدبره في الخفاء دون إخباري. نفس الشيء كنت أفعله هكذا علمتنا التجربة السابقة. المعلومة في وقتها وعلى قدر الحاجة لا على قدر الثقة. ثم شرعت أحدثه عن حب الأوطان وأسرد عليه بعض ما قاله الشعراء وكبار الأدباء في ذلك مما علق بالذاكرة من أيام الاحتفالات المدرسية بالأعياد الوطنية التي لا تكاد تنتهي من كثرتها...




    فرد علي ردا فاحما " اسمع يا أخي ... إن شعراؤك هؤلاء لم يجلسوهم على قارورة ولم يدخلوا العصي والأقلام في مؤخراتهم ...لم يحاربوهم في أرزاقهم ولم تطاردهم عيون المخبرين والجواسيس في كل مكان...تصور حتى المعلمة صارت تسأل إبنتي عن تفاصيل حياتنا ومعارفنا وطعامنا... الحرارة أحسها هذه الأيام تقترب منا أكثر فأكثر ,لم أعد أشعر بالأمان والاطمئنان هنا... البلد صار كسجن كبير ونحن في حالة سراح مؤقت فقط ... الأصدقاء يتخطفون من حولنا كما تخطف الطير. وفي صباح كل يوم تلوك الألسن قصة أحدهم وسيناريو اختطافه ... لا أريد أن أموت بحسرتي خلف جدرانهم ...




    "لماذا لا نحاول المقاومة؟؟؟ نتصل بالجمعيات والحقوقيين...نحكي لهم ما نعيشه من تضييق وحرمان حتى من كسب قوت اليوم... ونسألهم الوقوف إلى جانبنا... "


    قهقه في سخرية وأجابني إجابة قانط يائس من الجميع, لكنه واقعي ومدرك لحقائق الأمور وحجم الخطر الذي كان يتربص بنا.




    "رغم ما عانيته أراك لا تزال ساذجا يا عزيزي . لو كنت شيوعيا...أو بوذيا... أو شاذا جنسيا لخرجت المسيرات ونظمت الوقفات الإحتجاجية من أجلك ولناصرك العام.أما وإنك قد صلبت على لائحة المتهمين بالإرهاب فلن يبك عليك غير أمك...حمزة لا بواكي له يا أخي ... لا تغرنك الشعارات . انتهت سنوات وعهد الرصاص1 وجاء عهد الفولاذ ... "


    ثم يشرع كعادته يوضح لي الفرق بين الحديد والفولاذ وأيهما أصلب ...




    " أين المفر وأي أرض تقبل أن نمشي فوقها والعالم كله قد تكالب وتعاون. حتى خلافاتهم وضعوها جانبا لما صار العدو أمثالنا؟؟؟ وآخر ما أسمعوني إياه بنبرة الواثق في نفسه قبل أن يخلوا سبيلنا المشروط في المرة السابقة هو...لو صعدت إلى القمر لجئنا بك في كيس مختوم محكم الغلق ...لا تحاول اللعب ...فعلها غيرك وفشلوا...فالعالم أصبح قرية صغيرة...ويدنا طويلة...


    ثم كيف السبيل والواحد منا لا يستطيع التحرك مسافة عشرين كيلو دون أن يخبرهم بذلك ويخضع لسين وجيم...ومن أين لنا بجوازات السفر...و...و..."




    قاطعني قائلا, مفصحا عما ضل يحوم حوله من مدة , وضللت أنتظره منه وأستدرجه للإفصاح عنه,مختبرا رد فعلي ومدى استعدادي وتجاوبي مع المشروع "...ليس لنا إلا أن نلحق بمن سبقونا. بطن الأرض خير من ظهرها في زمن الذل هذا...ميتون ...ميتون...فلنمت بشرف بين الشرفاء. تابع في حماس لما لاحظ اهتمامي ...بلاد الرافدين ...بلاد الرافدين... أراها في منامي ويقظتي ...ستندم وتقتلك الحسرة إن هم أعادوك هذه المرة...أنظر حولك...أين تعيش أنت...ألا ترى وتسمع كل يوم سيناريوهات الخلايا المزعوم اكتشافها والتي تتناسل ولا تكاد تنتهي تحت شعار الضربات الإستباقية؟؟؟. غدا أو بعد غد ستكون واحدا من أفرادها


    بل بقدرة قادر سيجعلونك أميرا على إحداها."




    واصل في حماس أنا أتدبر أمر الطريق والجوازات ...أما المال فنتدبره معا ..."




    كنت رغم تظاهري بالتمنع واللامبالات واثقا في قرارة نفسي بصواب كل كلمة يتفوه بها المسكين, بل كنت قد بدأت البحث والتحري عن الطريق والوسائل الموصلة إلى هنالك. خاصة بعد أن وصلتني رسالة -خ- الإلكترونية المشفرة والتي جاء فيها بعد مقدمة ملؤها الشوق والمحبة والترغيب في اللحاق بالقافلة :


    "...تحررت من الخوف العقبى لكم ...العقبى لكم...تصور رغم حمم النيران التي تقذف بها أحدث آلياتهم على رؤوسنا ورغم الموت الذي يحيط بنا في كل ناحية...وجحافلهم وعملائهم ...رغم كل شيء أقسم لك أنني أحس بالحرية والأمن أكثر بكثير مما كنت أحسه وأنا معكم هناك" .




    ثم ختم رسالته ب : " لا تصدقوا أبواقهم المسمومة والله إنهم بعدتهم وعتادهم يفرون من أمام الشباب الحافي الأقدام والذي لا يجد أحيانا غير التمر والماء كوجبة لأيام متتالية يفرون كالجردان المجنونة ذعرا...العقبى لكم أوصيك لا تتأخر عند أي فرصة ...أنا الآن أشتغل في مجالي وأخرج بين الفينة والأخرى مع الشباب لصيد الخنازير وقنصها. لا تخف أعرف ما يدور بذهنك الآن, فرغم النظارات الطبية فقد أصبحت قناصا ماهرا ...نحن في نعمة وسعادة لا تعدلها نعمة في هذه الدنيا دعائي لكم بالفرج والتوفيق فلا تنسونا من دعائكم.


    يتبع....إن شاء الله


    [1] مشروع أوهيئة الإنصف والمصالحة هي عبارة عن مؤسسة أنشأتها الدولة المغربية بعد اعتلاء الملك السادس للعرش تعنى بتعويض ضحايا سنوات الرصاص التي شهدتها أيام حكم الحسن الثاني وقد أشرف على هذه الهيئة بعض ضحايا تلك السنوات من معتقلي اليسار الشيوعي ولقيت سجالا كبيرا لا زال مستمرا ليومنا هذا حول جذواها ونتائجها , وقد أحدثت لتلميع وجه النظام الجديد والدعاية له,







    Yuh]m kav((a`vhj lk Hrfdm hgHfhgsm)) hgHfhgsm Yuh]m


  2. #2
    زيزوم فـعّـال الصورة الرمزية ابو نزار البيضاوي
    تاريخ التسجيل
    Oct 2009
    المشاركات
    155

    افتراضي رد: إعادة نشر((شذرات من أقبية الأبالسة))

    الجزء الثاني



    كانت تلك آخر رسائله, انقطعت بعدها أخباره عني . أحسست حينها بغربة ووحدة قاتلة ضلت تحاصرني من كل الجهات. كنت عن طريقه أتنسم أخبار الأحبة,أعيشها لحظة بلحظة. أفرح لأفراحهم,وأحزن وأبكي أحيانا طويلا لأحزانهم وحسرة على عدم اللحاق بهم . حين حدثني عن ملحمة الفلوجة الأولى,وعن جوعهم وعطشهم لأيام عدة. عافت نفسي الطعام وفقدت شهيته كنت كلما جلست أمام المائدة تذكرتهم. تذكرت حكاية الشباب الذين حملوا أرواحهم على أكفهم حين تطوعوا لخرق الحصار المضروب قصد جلب جرعات ماء لإخوانهم ,وكيف مروا من بين دبابات الصليبيين وآلياتهم وسمعوا أصواتهم وقرع أكوابهم وآنيتهم,دون أن يفطنوا أو يحسوا بهم وكأنما غشيت أبصارهم وجعل وجعل في آذانهم وقرا. كانت تلك كرامة من عشرات الكرامات التي حدثني بها وعن تفكيره في جمعها وتدوينها حين يجد فرصة ووقتا لذلك.
    رأيته في منامي بجناحين يطير ويخاطبني مبتسما,مشيرا بيمينه مناديا
    "إلحق بنا لقد تأخرت, ولا تنس الوصية"
    استفقت مرعوبا مذعورا كعادتي مع كل حلم أتصبب عرقا. قلبي يخفق بسرعة وأكاد أسمع ضرباته: اللهم اجعله خيرا. أي وصية يقصد؟! رسائله التمويهية أرسلها بانتظام لأسرته! لم أرهق نفسي في حل رموز الرؤيا وتأويلها . رأسا توجهت صوب الأنترنت . الأيقونة تشير إلى أن لدي رسالة جديدة, أحسست بنشوة من فرح لم تدم طويلا. لم يكن عنوان المرسل عنوانه... وبريدي هذا لا يعرفه أحد سواه... ارتبت في أمرها مما جعلني أتوقف عن فتحها إلى أن استعنت بما أعرفه من إجراءات الحماية الأمنية الإكترونية في مثل هذه الحالات. ثم توكلت على الله وفتحت الرسالة. تسمرت حينها مكاني وأحسست بحمام عرق بارد يغسل كامل بدني, أعدت قراءتها بسرعة واضطراب. رسالة من دون مقدمات. وجمل متقطعة. يبدو أن صاحبها كتبها في عجلة وتوتر.
    "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, أنا أخوكم أبو....العراقي مسؤول في هيئة الإعلام أزف لكم نبأ استشهاد صديقكم وأخوكم –خ- الدكتور نسأل الله أن يتقبله. وصيته التي عهد إلي بإبلاغكم إياها هي وبعض صوره وكتاباته ستجدها على هذا الرابط .... لطالما حدثني عنك وانتظر وصولك على أحر من الجمر. يبدو أنه رحمه الله كان يعزك كثيرا. ولك مكانة خاصة في قلبه الكبير... أحبه الجميع هنا,مهاجرون وأنصار. منذ دخوله المبكر ارتأى الإخوة أن يضعوه في مكان يناسب تخصصه عملا بمبدأ الرجل المناسب في المكان المناسب وأبدع وأفاد في مجال الإعلاميات والإلكترونيات ونفع الله به إخوانه وأمته. فكان من تفانيه وإخلاصه لاينام سوى أربع ساعات في اليوم والليلة حتى هزل جسمه وشحب لونه, فكان كلما طلب منه إخوانه أخذ قسط من راحة يجيب الراحة هنالك في الجنة ويشير بسبابته نحو السماء... وكان رحمة الله عليه يبكي بحرقة وتأثر كلما همت مجموعة من الشباب بالخروج إلى الميدان حسرة على عدم إشراكه في العمليات وشوقا للنزال. إلى أن اختير تطييبا لخاطره أكثر من أي اعتبار آخر. في عملية الثأر لأعراض المسلمات التي انتهكت في إحدى البلدات. سجد سجدة شكر وعانقني حين أعلمته ببشرى الإختيار التي كنت حريصا على أن أكون أول من يزفها له... لم ينم تلك الليلة من الفرح... ضحكنا طويلا وبدا كطفل مرح في يوم عيد أو عريس في ليلة زفافه... ونحن نستعد للخروج انفرد بي هامسا :
    " أحس أنني لن أعود, مدني بمفتاح + صغير قائلا:
    "هنا كل شيء , بريد صديق الطفولة الذي حدثتك عنه وصيتي, صوري ومجموعة من أشعار وخواطر. أتمنى أن تلح عليه بشدة لتنفيذها حرفيا بحذافيرها... دس يده في جيبه, هذا مبلغ مالي بسيط أهداني إياه الأخ أبو... الكويتي قبل استشهاده رحمه الله, نصفه سلمه لأسرة أبي... البغدادي ـ وكان من أحب إخوانه إلى قلبه ـ والنصف الثاني اشتري به أحدية رياضية للشباب ـ كنا حينها نعاني أزمة أحدية حتى لقبت كتيبتنا بمجموعة الحفاة. أما عن قصة استشهاده فقد أبلى رحمه الله في ذلك اليوم البلاء الحسن وكان أسدا بكل ما تحمله الكلمة من معنى. بعد ساعتين من الإثخان في عباد الصليب وأذنابهم, جاءهم الدعم الجوي والبري لفك الحصار عن من بقي منهم حيا وإخلاء الجرحى الذين كانوا يصرخون كالنساء الثكالى .
    في مثل هذه الحالات جرت العادة أن ينسحب الإخوة في هدوء ووفق الخطة المرسومة والمدروسة سلفا وبعد أن تتطوع مجموعة للتغطية على هذا الإنسحاب وإشغال العدو. فكان رحمه الله أول المتطوعين فداءا لإخوانه وحماية لظهورهم رفقة ثلاثة شباب آخرين. قتل الدكتور وهو اللقب الذي كنا نطلقه عليه وشاب لبناني من أصل فلسطيني وعاد عراقي جريح وآخر فرنسي سليم. حدثنا الأخ العراقي أنه منذ الغزو الصليبي لأرض الرافدين ناذرا ما رأى رجالا كالدكتور تقبله الله. قاتل بضراوة حتى نفذت ذخيرته وضاعت نظاراته الطبية, وضل يناور من خندق لخندق ومن بيت لبيت لصرفهم عن الإخوة المنسحبين وشغلهم عنهم إلى أن أصيب في كتفه وصدره .
    حاول الأخ الفرنسي سحبه لكنه رفض وألح عليه بمساعدة الأخ الجريح والانسحاب الفوري. لم ينس رغم سكرات الموت أن يبلغ سلامه للجميع . طالبا الاعتذار والصفح عن كل ما قد يكون بدر منه في حق أحد. ثم نطق الشهادتين وابتسم ابتسامته المعهودة التي ضلت مرسومة على محياه رغم خروج روحه ."
    ختم الناعي رسالته بلا تنسوه وتنسونا من دعائكم وتنفيذ وصيته .
    أخوكم أبو .... العراقي خادم المجاهدين.
    وأنا أقرء مناقبه رحمة الله عليه وحادثة مقتله كنت أقاوم جاهدا الدموع المحتبسة في عيني . نسخت الرابط بأصابع مرتجفة, وأبحرت حيث الوصية وما رافقها من صور ومذكرات يوميات وأشعار...ثم همت على وجهي كعادتي حين تنتابني موجة حزن أوحالتي المرضية التي صرت بسببها كمن قرأت عنهم يوما ما ممن سموا (بالمشائين) أعتقد أن أرسطو كان أحدهم.
    همت على وجهي إلى أن وجدتني على شاطئ البحر.علاقة غريبة صارت تجمعني به مذ غادرت السرداب. لو كلفني بهد هذا الصخر لكان أهون علي من تكليفي إبلاغ أسرته بخبر استشهاده.
    كان الوقت قد قارب غروب الشمس التي احمر قرصها وبدت شاحبة كئيبة وهي تغوص بتثاقل في الأفق الأزرق البعيد... استسلمت لبكاء مرير غير مبال بنظرات بعض العشاق الذين تناثروا في المكان . قد أكون عكرت عليهم ( صفو خلوتهم ) تجرأ أحدهم فتوجه صوبي تاركا مرافقته على بعد أمتار. كانت خطواتها مترددة تنتظر ردة فعلي مع مرافقها لتتشجع على التقدم نحونا أكثر...يبدو مثقفا في بداية الثلاثينات من عمره يحمل حقيبة يدوية جلدية ويرتدي بدلة أنيقة بدون ربطة عنق ...
    "السلام عليكم..."
    خنقتني الدموع والشهيق فلم أجبه.
    مالك أخويا تبكي واش خاصك شي مساعد ؟؟؟
    استمر نحيبي وشهيقي . أمدني بمناديل ورقية ذات رائحة زكية أخرجها من جيبه. وأنا أمسح بها دموعي أعاد طرح السؤال مبديا رغبته واستعداده في مساعدتي. ظن المسكين أنني غريب تقطعت به الحبال. هكذا فهمت من كلامه. تشجعت صاحبته وتقدمت نحونا هي الأخرى قد يكون أشار عليها بذلك :"
    ماذا به... المسكين؟؟؟"
    لم تنتظر جوابه, فخاطبته بفرنسية سليمة.
    "يبدو أنه يعاني من مرض نفسي أو صدمة قوية أنظر إلى حركة خده الأيسر"
    (Il parait qu’il est choqué ou il souffre d’une maladie psychologique. Regarde sa joue gauche qui bouge).
    لا أدري كيف عرفت حالتي المرضية حين نطقت بها تحديدا باسمها العلمي الطبي. قد تكون أخصائية وربما ساعدتها الأعراض التي تظهر علي في مثل هذه الحالة لا إراديا من رجفة اليدين وارتعاش الشفتين واهتزاز رأسي كملاكم سابق أو مصاب بمرض الزهايمر. تلك حالتي كلما توترت أعصابي أو بكيت منذ غادرت سراديبهم في المرة الأولى. شجعت خطواتهما شاب آخر ورفيقته ضلا يرقبان المشهد من بعيد فتقدما نحوي . سألوا عن سكناي فلم أجب. عرض علي الثاني إيصالي بسيارته إن أنا رغبت في ذلك... أكره مواقفا كهذه أجدني فيها ضعيفا عاجزا مثيرا لشفقة الآخرين وإنسانيتهم . أحسستهم يصطنعون ذلك أمام مرافقاتهم . لم أدر ولم أذكر أمام إلحاحهم وأدبهم المبالغ فيه, أو هكذا بدا لي, كيف خرجت الكلمات من بين شفتي المهتزة :
    "مات أخي... أخي مات ...عانقني الأول صاحب الحقيبة الجلدية معزيا ومواسيا بكلمات يتداولها الناس في مثل هذه المناسبات وكأنه يعرفني من زمن طويل تقاطرت على مسامعي كلمات التعزية والمساواة على الطريقة المغربية في مثل هذه المناسبات والمواقف. لا أدري كيف كانوا سيتصرفون لو علموا كيف مات وأين قضى . أبديت لهم بلباقة وأدب رغبتي في البقاء وحدي فتفهموا الأمر. كنت رغم لطفهم أحسهم أثقل من جبل على صدري. عادوا لخلوتهم وبقيت متسمرا مكاني أرقب قرص الشمس الآفلة أنتحب كثكلى فقدت كل أبنائها ...
    في هذه اللحظة كان من المستحيل أن لا أسترجع شريط ذكرياتي أن لا أسترجع شريط ذكرياتي معه. كلام (الفليلسوف) هكذا كنا نلقبه. لازلت أحتفظ به كعقد ثمين لا يفرط به. كان دائم الصمت وإذا نطق أرغم الجميع على الإنصات ...
    " إنتباه ...إنتباه... سكوت ...سيدي عبد الرحمن المجذوب سينطق بالحكمة".
    هكذا كنت أمازحه منتشيا, فرحا, بقدرتي دون غيري على إخراجه من دوامة صمته وإشراكه في نقاشاتنا اللامنتهية التي لا تكاد تنتهي إلا لتبدأ من جديد. وتنتهي بخصومات ثم حفلة عناق للتسامح والإعتذار...
    كنت أكنيه ب "ولد دانون"ّ أو الدجاج الرومي. فكان يجيبني متحديا سأصبح بلديا رغم عن أنفك...بعد أن أصبحنا من رواد بيوت الله زادت علاقتنا توطدا. لم نكن نفترق إلا عند النوم , قال لي يوما:
    "أحس أن لا أحد يفهمني في هذا العالم سواك."
    لم يعرف الفقر كما عرفته, فكان ينفق إنفاق من لا يخشاه . ويعرف كيف يوظف ذكاءه المفرط وماله الوفير لإسعاد الآخرين ودعوتهم إلى الله... شغوفا... مندفعا بقوة لحل مشاكل الجميع, وصفه أحد الأصدقاء يوما مادحا كرمه وإنفاقه أنه لم يقل لا يوما إلا حين ينطقها في شهادة التوحيد. فكنت حين أجوع أو أحن إلى إحدى أجود أنواع الحلويات المنزلية المحشوة جوزا ولوزا وفستقا أواعد ع عند حاتم الطائي بعد أن نهاتفه فيفرح بذلك ...
    بعد غزو التتار الجدد لبلاد الرافدين لم يعد يذوق طعم النوم . دائم البحث والسؤال دون ملل عن طريق موصل إلى هنالك . قال لي يوما :
    "لو وجدت من يوصلني إلى هناك وطلب مني نصف ما ورثته عن والدي رحمه الله لاقتسمت معه تركتي دون تردد...أخشى أن يمسنا عذاب الله . ويستبدلنا لأننا لانصلح ولسنا بحجم المسؤولية. أخشى من النفاق..."
    حين لاحظ استغرابي من كلامه تلا علي قول الله تعالى(يا أيها الذين ءامنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض , أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة, فما متاع الحياة الدنيا إلا قليل ,إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير...
    ثم يشرع يذكر لي أقوال المفسرين والعلماء في تلك الآيات واستدلالاتهم بأسلوب سلس, رائع, جذاب, بديع, رغم مروري على هذه الآيات مرات عدة, كنت وكأنني أسمعها لأول مرة. الكلام حين يخرج من القلب يصل مباشرة وبسرعة إلى القلوب. هكذا قالوا قديما...
    تلك الأيام... حين كان الناس يعيشون تحت وقع الصدمة يضربون أخماس في أسداس تحسرا كما ضربها آباؤهم من قبل حين سقوط فلسطين. وحين صاروا كجمهور انحسر دوره في الفرجة وانتظار نهاية مباراة معلومة نتيجتها مسبقا. لا تكاد مؤخراتهم تفارق كراسي المقاهي متسمرين أمام القنوات الفضائية ببلاهة يتابعون تحليلات بائعي الكلام والوهم ومحللي الفضائيات المأجورين. وفتاوى تؤصل لدمي الحيض والنفاس ولا تلقي بالا لدم ثالث مهراق. دم المسلمين على أرض العراق وغيرها. حينها كان رحمه الله يقطع البلاد طولا وعرضا , مذكرا الشباب والدعاة بتعين فريضة الجهاد, وبمسؤوليتهم الشرعية والتاريخية , لأنهم طليعة الأمة, وأن التتار الجدد لن يردعهم ويردهم على أعقابهم سوى شباب الإسلام أحفاد القعقاع والمثنى وطارق بن زياد ....
    اكتشفت فيه حينها ما لم أكن أعرفه رغم عشرتنا التي دامت أزيد من عقدين من الزمن. شعلة متوقذة من حماس, طاقة دفينة مخزنة انفجرت فجأة, صار يتكلم كخبير متمرس في الإستراتيجية العسكرية والدراسات المستقبلية. كلما زرنه كان يبسط الخريطة أمامنا وأسهب في الشرح والتحليل بحماس غريب : " أنظروا ...منطقة الأنبار وديالى أقرب بقعة في بلاد الرافدين من فلسطين ثلاث مائة كيلو فقط تفصلنا عن القدس إنها فرصة العمر لقد ابتلعوا الطعم . ستذكرون ما أقوله لكم !!!
    لم يعد حينها -خ- الذي عرفت من قبل. في تلك الأيام وفي غمرة الحماس والاستعداد حصل الامتحان. هكذا سماه. بعد المناداة عليه لتسلم وظيفة جيدة براتب شهري مغري وامتيازات كبيرة تناسب شهاداته العليا. كان قد ربط الخيوط ووجد الطريق السالك. قال لي :
    "إنه اختبار من الله فهو سبحانه يمتحن عباده ليعلم الصادقين من الكاذبين "
    ثم تلا قوله تعالى(قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره. والله لا يهدي القوم الفاسقين).
    لا أريد أن أكون من هؤلاء القوم الفاسقين ....لم يتأخر لحظة ورحل عند أول فرصة تاركا الدنيا والوظيفة وكل شيء خلف ظهره.
    أذكر تلك الليلة الأخيرة كأنها البارحة . كنا أربعة بتنا الليلة في بيت - ز- بدا سعيدا كعريس في ليلة دخلته. تحدثنا الساعات الطوال. لأول مرة دون توقف. تكلم كمن سيموت في اليوم الموالي ويخشى الرحيل دون قول ما كان يحتاج قوله. ضحكنا طويلا بعد أن حلق ذقنه وارتدى بدلة إيطالية الصنع بربطة عنق سماوية اللون . تغير شكله تمتما, وأجاب على تعليقاتنا الساخرة بكلمات مقتضبة:
    " الحرب خدعة ...هل تريدونني أن أسافر بلباس عسكري؟؟!!"
    قبل أن يغادر بكى ونحن ننشد بصوت جماعي خافت:
    وداعا أيها البطل لفقدك تدمع المقل
    بقاع الارض قد نذبت فراقك واشتكى الطلل
    لإن ناءت بنا الأجساد فالأرواح تتصل
    ففي الدنيا تلاقينا وفي الأخرى لنا الأمل
    فنسأل ربنا المولى وبالأسحار نبتهل
    بأن نلقاك في فرح بدار ما بها ملل
    بها أبطال أمتنا بها شهداؤنا الأول
    بها الأحباب قاطبة كذا الأصحاب والرسل
    فيا من قد سبقت إلى جنان الخلد ترتحل
    هنيئا ما ظفرت به هنيئا أيها البطل
    أي وجه أواجه به أمي الحاجة؟؟؟ لا أدري... وكيف أتصرف في الوصية؟؟ بالأمس القريب وقبل يومين من تسلمي للرسالة. كنت لا أزال أمارس تمويهي وكذبي على المسكينة. زرتها كالعادة للسؤال عن رفيق الطفولة المسافر إلى ألمانيا. وهل من رسائل جديدة؟ وكيف هي أحواله البرد هنالك؟؟ في داخلي كنت أشعر بالألم والخجل وهي تحدثني عن رسائله وشوقه وأحوال الطقس التي لم يتعود على قساوتها. لم تكن تنسى إبلاغي سلامه الحار وشوقه لمعرفة أخباري. أهز رأسي أمامها ببلاهة مصطنعا السعادة والإصغاء لحديثها . كنت أنا كاتب الرسائل ( التمويهية) هكذا ارتأى رحمه الله قبل أن يرحل . لم يترك لي أي فرصة لمجرد الإستفسار.
    وإلا لكنت امتنعت عن هذه المهمة المعقدة والمشبوهة. ربما تعمد مفاجأتي بذلك في آخر لحظات الوداع , أو ربما لضيق الوقت حين سلمني الورقة الصغيرة وهو في طريقه إلى المطار: " هذا إيميل الأسرة, تصرف أكتب لهم بين الفينة والأخرى رسالة حدثهم فيها عن أي شيء. عن ألمانيا وظروف الدورة التدريبية وضيق الوقت وكثرة الإنشغالات....و..و...و
    آخر مرة زرتها . كانت بعد استشهاده. ما إن رأتني حتى بكت . انخلع قلبي من مكانه . من أخبرها ؟؟؟ كدت أخر مغشيا علي أن تنشق الأرض وتبتلعني أهون علي من أن تكتشف أمي الحاجة ومعها بقية الأسرة كذبي وتواطئي. كانوا يعدونني واحدا منهم . كلما طرقت الباب رمت لي مفتاح البيت من الشرفة كما تفعل مع أبنائها وأمرتني بالصعود. قالت لي مرارا:
    "لا تدري يابني معزتك عندي والله لو كانت لدي بنت بلا زواج لزوجتك إياها..."
    وقفت أمامها مشدوها ... سحبتني من بوابة المنزل لفنائه كأنها تريد البوح لي بسر ما. حدثتني بعد أن أغلقت الباب ودموعها مسكوبة لا تنقطع.
    "قلبي يحدثني بشيء ما يا ولدي . رأيت البارحة خيرا وسلاما فيما يرى النائم. مجموعة من الجنود اليهود, في أعناقهم الصليب!!! لم أشأ أن أصحح معلوماتها وخلطها. كان الأمر أكبر من ذلك. طرقوا بابي وسلموني جثة إبني. كان مصابا في صدره ووجهه ودون نظارات. دمه أحمر غزير كشلال. وعلى وجهه هالة من نور قوي. قالوا لي هذا ابنك. فصرخت فيهم, قتلتموه يا مجرمين يا قتلة...قتلتموه... قتلتموه يا يهود...
    قلبي يحدثني بشيء غير جيد. أنا هكذا دائما ,غالبا ما تتحقق رؤاي ...حتى رسائله (تقصد المسكينة رسائلي ) إنقطعت... والهاتف يستحيل أن يكون إبني بخير ولا يكلمنا في الهاتف...لم يهاتفني منذ سافر سوى مرتين, ورسائله لم تكن تشفي غليلي...ثم لماذا لا يكلمني مباشرة وأراه بكاميرا الكمبيوتر كما يفعل معي شقيقه من فرنسا مساء كل ليلة...لا ...لا...لا..
    كنت كلما حاولت تهدأتها تعثرت الكلمات وانعقد لساني. خانتني العبارات . ماذا أقول في مثل هذه المناسبة . أي موقف هذا وضعتني فيه يا -خ -؟؟؟
    كنت حينها أغالب شلالات الدموع المنحبسة في مقلتي . أنقذني من ورطتي وحساسية الموقف رنين هاتفي في جيبي. غادرت البيت متمتما لها بكلمات لم أعد أذكرها ... من يومها وأنا أحاول تفاديها... ضلت تلك الوصية كحمل ثقيل على عاتقي . زادت همومي, كربي, أرقي ووساوسي, فكرت في عشرات الحيل والطرق لإبلاغ أسرته بالنبأ. فكنت كلما وضعت خطة لذلك وهممت بالتنفيذ, تراجعت. شيء ما لم أستطع تفسيره كان يمنعني. عانيت من ثقل المسؤولية وبقيت على ترددي إلى أن تلقفوني من جديد. مازلت ليومي هذا تحيرني الرؤيا التي حدثتني بها أمي الحاجة, والدته رحمه الله. غريب أمرها. رأتها في نفس الليلة التي بلغني فيها خبر استشهاده . ازددت يقينا وإيمانا بالمقولة الشعبية التي رددتها والدتي مرارا على مسامعي في ما يشبه جلسات اعتراف كانت تقيمها لي كلما أحست أنني أخفي عنها شيئا:
    " يا بني قلبي يحدثني عنك بكذا وكذا (غالبا ما كانت تصيب) افصح يا بني فقلب الأم يعلم..."
    حتى في سنوات الطيش الأولى والمراهقة حين كنت أعود من بعض سهرات النزوات العابرة التي كان يقيمها أحيانا رفاق الدراسة. ورغم تأبطي للكتب والإدعاء أنني بت عند فلان أو علان لمراجعة الرياضيات. ورغم كل الإجراءات الاحترازية. كانت تقول:
    " اكذب على إنسان آخر, أما أنا فإني أمك عجنتك بيدي هذه ...الله يهديك ...الله يهديك..." ثم تنصرف.
    لا شك أن الله استجاب دعواتها تلك فلم تطل فترة النزوات الحمقاء... سرعان ما أبصرت دربي وعفتها...
    رغم مرور سنوات فلا يزال الألم يعتصرني كلما ذكرته رحمة الله عليه. وذكرت إخفاقي في تنفيذ وصيته كما أراد وألح في ذلك. خبر استشهاده بلغ أسرته بعد سنة من القذف بي وراء الشمس. وصلني بعضا من كلامهم الجارح الذي أسمعوه والدتي حين زارتهم للتعزية. ما كنت أخشاه تماما هو ما وقع. صرت في نظرهم أنا من شجعته على سلك الدرب الذي سار فيه وغررت به ...و...و...و
    رغم كل شيء لم ولن ألوم أمي الحاجة. إنها أم مكلومة على كل حال .فقدت بؤبؤ عينها كما كانت تصفه. فقدت آخر عنقودها المدلل...
    ساءت علاقة الأسرتين. انقطعت بينهما حبال الود, الزيارات, المجاملات.. فتكلم بذلك الشامتون وخاض فيه نمامو الحي ومهووسو الإشاعة. طبعا مع إضافة البهارات اللازمة في مثل هكذا مناسبات.
    حاولت ولا زلت أحاول النسيان. نسيان الموضوع فلم أفلح. عقدة ذنب وصية أعز الأحبة إلى قلبي والتي لم أعمل على الوفاء بها تؤرقني. ألح بقوة وكرر مرارا في رسالته -الوصية- علي بالعمل الجاد على توضيب ما كتبه في ساحات المعارك وعلى أصوات لعلعة الرصاص وأزيز الطائرات من خواطره ومشاهداته وكرامات أوصى أن تجمع تحت عنوان (آيات الخلاق في جهاد أهل العراق) وتنشر في المنتديات والمواقع . بعد الليلة السوداء, ليلة اختطافي أحرقت والدتي بمساعدة من أختي التي أرشدتها لمخبأ أوراقي وأقراصي المضغوطة المدسوسة تحت تراب (محبق) نبتة من فصيلة الصبار بين عشية وضحاها أصبحت حريصا على العناية بها وكنت حريصا على أن لا تسقى ولا يمسها ماء بدعوى أنني قرأت في كتاب للنباتات عن عدم حاجتها له وإمكانية عيشها بدونه لمدة طويلة من الزمن. وكان حرصي هذا وعنايتي على غير عادتي بذاك النبات الشوكي المهمل هو سبب في كشف شقيقتي لمخبئي. أحرقوا محتواه, وأحرقوا معها قلبي وآخر أمل في تنفيذ وصية صاحبي الغالي.
    يتبع بحول الله

  3. #3
    زيزوم مميز الصورة الرمزية تلميذة أم المؤمنين
    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    409

    افتراضي رد: إعادة نشر((شذرات من أقبية الأبالسة))

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    جزاكم الله خيرا اخي الفاضل علي الموضوع

    اللهم فك اسره وجميع اسري المسلمين ....... اللهم امين




    يا زمرة الشيطان يا أهل الإفلاس
    أنا قوي بالله ربّ العبــادي

  4. #4
    زيزوم فـعّـال الصورة الرمزية ابو نزار البيضاوي
    تاريخ التسجيل
    Oct 2009
    المشاركات
    155

    افتراضي رد: إعادة نشر((شذرات من أقبية الأبالسة))

    الجزء الثالث
    ...كلما طوت السيارة المسافة المؤدية إلى (الجحيم) كلما زادت آلام ظهري المقوس بعنف وخفقان قلبي الضعيف ومغص أمعائي...استحضرت بضع آيات كريمة وأحاديث نبوية عن القضاء والقدر علها تهدأ من روعي ما أصابك لم يكن ليخطئك, وما أخطأك لم يكن ليصيبك. باب القضاء والقدر. أعظم أبواب العقيدة التي تجعل القلب مطمئنا على الدوام....
    توقفوا للحظة ... نشطت حاستي الخفية... محطة الأداء على الطريق السيار بمدينة بوزنيقة... تخيلت القابض واجم الوجه الجالس خلف الزجاج كروبو صامت يرفع الحاجز الملون بالأبيض والأحمر بضغطة زر بعد الأداء طبعا. ترى كم يكسبون في اليوم ثمنا لاستعمال زفت الحكومة المخوصص هو الآخر ككل شيء في هذه البلاد... زادت سرعتهم... زادت آلامي... تجاوزتهم ناقلة, أو لم تفسح لهم الطريق للتجاوز. خمنت أنها شاحنة يقودها بدوي عنيد بشارب مكسيكي. فتحوا قواميس السب والشتم والكلام الساقط. طبعا وكعادتهم أم المسكين لم تنج من وعيد بنكاحها. هي لازمتهم دائما " والله لأفعل في أمك يا ابن العاهرة " أمهات الناس إحدى عقدهم التي اكتشفت سببها وأنا في سراديبهم ( ودت الزانية لو زنت نساء العالمين. وود ابن الزنى لو أن الناس كلهم كذلك) كنت كلما استعطفت أحد كلابهم هناك لعل قلبه يحن
    "الله يخلي لك اميمتك آلحاج"
    يتبع
    كان يغضب وكأنني أنكأ جرحا غائرا فيه فيزيدني جلدا وهو يلعن أمه قائلا " قلت لك يا كلب أنني ابن قحبة لا أم لي وجدوني قدام باب مسجد, لا أريد أن أسمع منك هذا مرة ثانية, مفهوم...!!!
    أنزل أحدهم زجاج النافذة تيار هواء قوي ..." تنحى يا ابن العاهرة "
    ترى لو لم أكن معهم ما الذي كانوا سيصنعونه بالمسكين؟ّ! يستطيعون فعل كل شيء, الأرض أرضهم, والبشر يعتبرونهم كعبيد في ضيعاتهم خلقوا للخدمة...ربما أشبعوه صفعا ولكما وسحبوا رخصة سياقته. هذا أقل ما يمكن أن يصنعونه به حتى لا يتجرأ على تجاوز أو مضايقة سيارات الحكومة وهي تؤدي مهامها على الطرقات في تفان... أما إن كان من صنف المواطنين الذين يتشبثون بحقهم ويحاولون التصدي والدفاع عنه أمام الجبروت فالتهمة جاهزة لأمثال هذا الصنف الذي يلقبونهم بساخني الرؤوس تهمة من لا تهمة له في هذه البلاد عقوبتها مابين ثلاث وست سنوات يسمونها زورا وظلما وجبروتا المس بالمقدسات أي المس بالاحترام الواجب للملك. كثيرون من التقيتهم داخل السجن ساقوهم بهذه التهمة يكفي أن يشير لك مقدم حي أمي. أو جار ناقم حاسد. لتجد نفسك خلف الأسوار تفني زهرة شبابك بهذه التهمة الغبية. حتى المرأة لم يرحموها والتي خانها التعبير حين مثلت أمام القاضي وسألها عن سبب نشوزها من زوجها فأجابت
    " أنه مجرد عاطل عن العمل بطال يضل في البيت واضعا رجلا على الأخرى كالملك لا شغل ولا مشغلة " فنالت على كلماتها تلك خمس سنوات فقط. لأنها قللت الإحترام الواجب.
    فيما رب العزة وملك الملوك يسب نهارا جهارا بالليل والنهار بلا حسيب ولا رقيب. قال لي ولغيري الكلاب مرارا " لو نزل ربكم الذي تعبدونه إلى هذه الأرض لفعلنا فيه ... " تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.
    ارتجاج وخضخضة. سلكوا طريقا غير معبد. زاد خوفي وتأكدت من وجهتي...يا للهول...تمارة مرة أخرى[1]. وما أدراك ما تمارة. لا أقصد تلك المدينة الصغيرة الوديعة التي كانت تنام في هدوء على ضفاف الأطلسي بجانب العاصمة. والتي لم يكن القطار ولا الحافلات تتوقف بمحطاتها خاصة بعد ما شقها الطريق السيار إلى شطرين غربي يتوسد البحر وشرقي يتمنطق بحزام من غابة أشجار الأوكالبتوس. لم تكن تذكر تلك المدينة الهادئة إلا حين ذكر حديقة الحيوانات الوطنية التي توجد عند مدخلها الشمالي حين تريد دخولها من جهة العاصمة. كانت تلك الحديقة هي مفخرتها قبل أن تصفى مؤخرا بشكل يوضح بجلاء أن كل شيء في هذه البلاد أصبح نهبة لأصحاب الملايير ممن إغتنوا بين عشية وضحاها. فاحت رائحة الفضيحة على صفحات كل الجرائد بعد أن فوتت الأرض التي توجد عليها الحديقة الوطنية لملياردير صاعد بقوة النفوذ والعلاقات مع (الكبار) علاقة من يمتلكها فكأنه يمتلك مصباح علاء الدين الأسطوري ( شبيك لبيك وكل شيء بين يديك) فوتت له أرض الحديقة وما جاورها من مساحات خضراء بثمن أغرب من غريب 10 دراهم. ثمن زوج جوارب من النوع الرديء. ما يعادل أورو واحد فقط. وحين فاحت الفضيحة وتكلمت عنها الجرائد وطالبت بلجان تحقيق وذرا للرماد في العيون. زودوا المبلغ إلى عشرين درهما . أهملت حيواناتها المسكينة وهجرها الزوار بعد أن مسخ الأسد فصار بحجم القط البري والتمساح كضب بئيس يتغدى على أكياس البلاستيك السوداء أما القرود المسكينة فصار بكاؤها جوعا يسمع من بعيد. أما الضباع فقد اختفت من مدة بعد أن بيعت لمن يطلبنها من نساء علية القوم لاستخدام أمخاخها في وصفات المشعوذين لتضبيع أزواجهن. وبالمناسبة فجل الجلادين ضباع مضبوعة..
    ضلوا لسنوات عدة ينفون وجود معتقل تازمامارت الرهيب ودرب مولاي الشريف وقلعة مكونة وغيرها...أغلقت سراديب ...وشرعت أخرى لاتقل عنها همجية وفتكا أبوابها ...واستمرت اللعبة الموروثة عن العهد الماضي لعبة النفي, نفي وجود أي معتقل سري في البلد وأن كل شيء يمر بوضوح وتحت سيادة القانون. نفس الأسطوانة المشروخة... واستمر النفي رغم أن المكان أصبح أشهر من نار على علم ونشرت شهادات زواره من أبناء البلد أو من استقدموا من طرف أمريكا للتحقيق معهم هنا بالوكالة. رغم كل هذا استمر النفي الرسمي, مع مفارقة غريبة في بلد الغرائب وهي أن من تولوا الدفاع عن ( حجاج العهد الجديد) وتولوا مهمة نفي وجود معتقلات سرية أيامنا هذه. هم بعض ضحايا ( ومناضلي) الأمس, مناضلي اليسار الشيوعي ممن اكتووا بنيرانها. بعد ما دجنوا أكثر من اللازم وتمخزنوا أكثر من المخزن نفسه وأصبحوا ملكيين أكثر من الملك ... عالم غريب... عالم جنون ... عالم منافق ...
    داس السائق المتوتر فرامل السيارة معلنا الوصول ... جف حلقي وازداد خفقان قلبي, جذبوني بعنف إلى الخارج " اللية الزينة من العصر باينه"
    سمعت جدتي تكررها مرارا وفي مناسبات عدة.
    أجلسوني على ركبتي في وضع ضرب العنق. رأسي مدلى للأمام كمن ينتظر السياف... أرضية معبدة تؤلم. انتهت مهمتهم هنا. أوصلوا الأمانة إلى أهلها. ربما عادوا ليستقدموا أمانة أخرى. آه... لقد نسيت هؤلاء زوار الليل لا يشتغلون إلا تحت جنح الظلام كاللصوص. بل هم اللصوص يضعون في جيوبهم كل صغير الحجم وغالي الثمن ورقة مائة درهم وسلسلة ذهبية كتذكار بليد لخطوبة مفسوخة هي كل ما احتوته حقيبة شقيقتي اليدوية دسها أحدهم في جيبه وهاتف شقيقي اختفى هو الآخر بعد مغادرتهم والمبلغ الذي بعت به دراجتي النارية وأنا أستعد للسفر تحول إلى النصف بعد دخولي السرداب. في السجن التقيت بمن سرقوا لأسرته تحويشة العمر وأحد من التقيتهم سرقوا مبلغا كانت زوجته قد تسلمته لتوها كنصيب في ميراث والدها. آخر من مدينة فاس ضل يكدح بالليل والنهار طيلة عمره لشراء بيت يقي أبناءه حر وقر البيت الصفيحي, اختفى المبلغ مع اختفاء صاحبه وفوق هذا كله جنت زوجته المسكينة. شمس الصباح بدأت تبزغ. انتهت مهمة اللصوص = الزوار هنا.
    جذبتني يد قوية خشنة من لحيتي مع لهجة آمرة بالوقوف "زيد يا لحية الشيطان"ّّ!!!
    تساءلت مع نفسي كيف عرف أن للشيطان لحية؟! ربما يشتغل معهم هناك كمتدرب و متمرن. ألم يقل الشاعر. أن الشيطان قد خاطبهم معلنا استقالته قائلا: "دوري أنتم ستلعبونه."
    تحاملت على ركبتي اللتان لم تعودا تقويان على حملي... خارت قواي من هول الصدمة وزادت قيود الأرجل من إعاقة حركتي ... وصرخاتهم تحثني على الإسراع... أجر رجلي... صرت كصغير حمار وحشي داهمت أمه السباع, تحته على الإسراع وهو لا يقوى. صرير باب حديدي, أكز أسناني.
    "انزل...انزل..." باب سقر الدنيوية قد فتح..."انزل...انزل...". لم أتعود بعد على قيود الأرجل ." انزل..." كيف أنزل؟؟ تلكأت قليلا خوفا من السقوط. فجاءتني اللكمات متتالية. لكمات محترف يعرف أين يضرب.
    "انزل مال أمك مشلول أو معاق"
    نعم أنا مشلول وأعمى لا أرى شيئا أمامي. خاطبت نفسي طبعا ...
    رفعني اثنان بعنف من تحت إبطي... بضع درجات إلى الأسفل ,ثم جروني بضع أمتار, ألقوني أرضا, شرعوا في نزع قيودي وأزالوا الكيس عن رأسي.
    سحبت نفسا عميقا كنت في حاجة له من منخري وفمي معا. مسحت الغرفة المتوسطة الحجم بسرعة من غير لفت الانتباه. مكتب يحتل إحدى زواياها, أربعة كراسي, ثقب مرحاض, صنبور ماء, قارورات مختلفة الأحجام والأشكال بعضها مكسرة الرؤوس,عصي, حبال, أدوات تعذيب وآثار دماء... فهمت الرسالة التي تعنيني من هذا المشهد.
    هناك وجوه حين تنظر لها تعلمك الحب وتشعر معها بالسعادة والمرح... أمي... جدتي ... وجوه أطفال الجيران البريئة... وهناك وجوه تقرأ على صفحاتها الصدأة سطور البغض والكراهية... والشقاء الأبدي... سحناتهم كالحة... بياض عيونهم تحول إلى حمرة ,وأجفانهم أحاط بها السواد والزرقة. ساءلت نفسي مرارا . هل يضحكون ومتى يفعلون ذلك؟؟
    شرعا في تفتيشي تفتيشا دقيقا وسريعا لم أكن أرتدي سوى لباس نوم خفيف
    "فايت لك دايز عندنا هنا...؟؟" = سبق وأن مررت من هنا؟؟؟
    أجبته دون النظر إليه" نعم دوزت هنا ثلاثة أشهر ...ثلاثة أشهر وأيام... زدت في نفسي لكنها كثلاثة قرون. نعم لا أبالغ إن قلت ذلك...
    "مرحبا بيك...الدار دارك...أنت كليان =زبون قديم... بلا ما نوصيك... أنت عارف كل شيء هنا ما ينفع غير الصح..." حركت رأسي نعم أعلم...
    ولج الغرفة رجل مقنع لا تبدو منه سوى عيناه. قناع أسود. ذكرني بمليشيات الموت الرافضية التي جاءت خلف دبابات الاحتلال لتنشر الرعب في العراق. أخبرني -ع- في إحدى رسائله أنهم عيون التتار الجدد كأجدادهم ابن العلقمي وصحبه. كانوا يحملون قوائم موت بأسماء للتصفية بدعوى الانتماء لحزب البعث البائد وعناوين كل أدمغة العراق. علماء, أطباء, مهندسون, جامعيون... من أهل السنة طبعا. كان يحمل معه آلة تصوير حديثة. لم أعد أذكر كم عدد الصور التي أخذ لي الرجل المقنع أمام خلف, يمين, يسار... بعدها أخذ بصماتي وعينة من لعب فمي.
    عصبوا عيني هذه المرة بخرقة سوداء تنبعث منها رائحة البول المعتق وأعقاب السجائر وصفدوا يدي إلى الأمام هذه المرة.
    تذكر رقمك ولا تنساه حين تسمع النداء عليك, ارفع يدك وقم من مكانك... إياك أن تكلم من بجانبك ... المرحاض مرتين في اليوم... حذار من إنزال البانضة... صرت مجرد رقم في لائحة طويلة لا تكاد تنتهي...
    ما الذي يجري؟؟!! في المرة السابقة كنت في زنزانة لوحدي. أنزع العصابة عن عيني بمجرد ولوجها حين عودتي من التحقيق. وكان لي مرحاضي عبارة عن ثقب في زاوية أجلس فيه كما أشاء ومتى أريد؟؟!!
    بدأت أفك بعض الطلاسم والألغاز حين رموني وسط كومة من الأجساد المنهكة في ممر بارد يؤدي إلى غرف التحقيق. رائحة العرق والقيء الكريهة تعم المكان والأنين لا يكاد يكف أو يهدأ. كغرفة في قسم مستعجلات اكتظت بضحايا حادث سير جماعي. يبدو أنني جئت أو جيء بي في أيام الذروة. لم تعد الزنازن تكفي. اللهم سلم ... اللهم سلم...
    صدقت يا -ع- كررها علي مرارا وهو يحثني على الإسراع بالرحيل ويحذرني
    "أنج بنفسك قبل أن تجد نفسك بين عشية وضحاها مجبرا على أن تمثل دورا في إحدى مسرحياتهم التي يبدو أنها لن تنتهي قريبا. هذا إن لم تكن أنت هو البطل...
    لم أكد أضع جنبي على الأرض حتى سمعت النداء يتكرر. قمت فزعا مرعوبا... رقمي ,,,رقمي,,, نعم إنه رقمي,,, زممت شفتي بعد أن أحسست بخرقي لنظام التعليمات...
    "ومال أمك ناعس كتشخر..."
    ساقاني أحدهما خلفي بكف غليظة يمسك رقبتي بقوة وآخر أمامي يجرني من ذراعي كأعمى فقد عكازه. ما إن ولجت الغرفة حتى تلقفتني الزبانية..
    "هذا هو ... نعم هو هذا... حذرناك ألا تعود, وعدت..."
    لم أعد هم من أتوا بي. وبدأت الحفلة ... حفل الإستقبال... كل من مر من هناك يعلم كيف تدور الرحى... حفل الإستقبال لابد من شره بعد الولوج مباشرة.عادة لا تطرح فيه أسئلة, وليس للتحقيق. تعذيب فقط من أجل التعذيب وإرهاب الضيف لجعله طيعا متعاونا إلى أبعد حد. وليعلم أين هو وأي القوم هؤلاء الذين سقط بين مخالبهم.
    ككرة مستطيلة تتقاذفني أيديهم وأرجلهم , أو ككيس رمل معلق في نادي ملاكمة. حاولت الصبر أول الأمر ووقاية وجهي. ما أصعب الأمر وأنت معصوب العينين لا تدري أين ستنزل الضربات... صراخهم وشتائمهم لا تنتهي. وصراخي يعلو ... ويعلو... ويعلو... كانوا ثلاثة أة أربعة, لم يسلم موضع في بدني من ركلاتهم ولكماتهم. فجأة بدأت الأنابيب والحبال المطاطية تعزف سيمفونية حزينة مؤلمة صعودا ونزولا على جسدي الهزيل...
    "حافظ النشيد الوطني؟؟" = هل تحفظ النشيد الوطني؟؟
    "نعم حافظوا ,,, حافظوا,,, حافظوووووو....
    هيا سمعنا...سمعنا النشيد الوطني يا خائن...قول ... قووول ... قوووول...
    شرعت متلعثما "منبت الأحرار... مشرق الأنوار... منتدى... منتدى...
    اختلطت الكلمات بشهيقي... جسدي يرتجف وشفتي تهتزان... ودموع الساخنة لم أستطع إخفائها صرت تبلل الخرقة السوداء المنتنة
    "قول...قووول...كمل يا خائن" يزداد تلعثمي
    "شوفو الز...كيبكي بحال الق...قوول زيد..."= أنظروا اللوطي يبكي كعاهرة هيا زد ... قل أكمل...
    "دمت منتدى وحماه...غلبني الشهيق...تلعثمت ...انهالت علي الضربات أكثر..." نيفو باك + سنتين جامعة وما حافظش النشيد الوطني أولد الق...أعطيو ليماه...أعطيو لكلب..."
    ركنت نفسي في زاوية الغرفة, كملاكم منهزم في مباراة غير متكافئة ينتظر صفارة الحكم مستسلما للكمات خصمه. غير أنه لاحكم هنا إلا الله ,العدل,الحكم...لا حكم سوى الله...ألا له الحكم والأمر...
    لم أعد أقوى على الوقوف بدأت أخور كثور انغرزت في ظهره السهام . جلست أرضا وضعا رأسي بين ركبتي... تكومت كالكرة, أمسك أحدهم بأذني محاولا رفعي وإرغامي على الوقوف.
    صراخي يزداد ويتعالى. قررت ألا أتوسل... لكن لكل شيء نهاية... خفتت الضربات تدريجيا... تعبوا أو بلغوا مرادهم, أو جائتهم إشارة بالتوقف.لا أدري.
    أي بشر هؤلاء؟ وأي وظيفة هذه؟ قلوب قدت من حجر. وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار. وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء.
    توقف الضرب فجأة. أمروني بالوقوف فلم أستطع. تنملت أطرافي. كأن تيارا كهربائيا يسري في بدني. فسحبني أحدهم من شعر رأسي بقوة إلى أعلى.
    بكائي اللائرادي وشهيقي لا يتوقف أحسست بالغبن فصرخت بأعلى صوتي أنا مظلوم... أنا مظلوم...
    "حتى أنا مظلوم...مظلوم...." أجابني أحدهم وهو يخبط رأسي على الحائط.
    عالم غريب... عالم مقرف... كل يوم أصادف في هذه الدنيا أشياء لم أجدها فيما سمعته أوقرأته من كتب. ربما قرأت يوما ما عن الظلم والتعذيب لكن تأثري بذلك كان ساذجا ربما انفعلت وحزنت لذلك, أو دمعت عيني. لكن سرعان ما جفت الدموع. وعندما دخلت سرداب إبليس وأقبيته. وذقت طعم العلقم. وجدت الفرق هائلا, بين ما قرأته وما أعيشه اليوم.
    أعادوني محمولا ورموا بي بين الأجساد المنهوكة. أسمع الأنين من حولي... الموت أهون من كل هذه الإهانات.
    ليومي هذا أشعر بالقرف والاشمئزاز حينما أسمع أو أتذكر أولئك الذين يتحدثون ليل نهارعن الحرية والعدالة ودولة الحق والقانون . تفو... تفو... تفو... ابصق عليهم في التلفزيون وصفحات الجرائد وألعنهم. إنهم أغبياء. فالتطرف الذي يرمونني وغيري به. لا يصنع ولا ينبت ولا يولد ويزداد إلا هنا. لا ينمو ولا يترعرع إلا في قاع الجب العميقة, الدهاليز والأقبية المظلمة. وكأن جنكيز خان لم يمت ونسله يحكمون في الأرض إلى هذه الساعة .
    ارتفعت الموسيقى. كلماتها غريبة وغير مفهومة, لهذا ربما يسمونها شعبية كل ماهو رديء ينسبونه للشعب المسكين. ربما اختاروا بعناية ما يذيعونه هنا. زيد دردك... عاود دردك... ما الذي يريدون قوله؟!
    زاد بغضي وكرهي لهذه الرداءة التي يسمونها موسيقى شعبية.
    أحد المساكين يبدو أنه فقد صوابه هنا, شرع يردد مع الشريط بصوت مبحوح. ضحك أحدهم لم يتمالك نفسه فقهقه عاليا, سحبوه للمسلخ... ارتفعت صرخاته وشتائمهم...
    "تضحك يا ولد الق...تحسب راسك في مسرح ...اللي فيك ما هناك... لا يعور ولا يعرج إلا البلاء المسلط..."
    لم يتركوا أحدا حتى المعاقون هنا. سمعنا قيئه... قيع... قيع... قيع... قيئوه.
    رموه بجانبي رائحته عطنة كريهة, ما أن استعاد أنفاسه حتى شرع يسب ويلعن ويدعو عليهم بصوت شبه خافت. استغربت أمره وجرأته. بدأ يتلو القرءان, سورة الكهف. صوته ندي رائع وترتيله متقن. سمعوه وصاح فيه أحدهم معيرا إياه بإعاقته.
    "سكتنا أداك لعرج... أولد القواده... مال أمك كيف الحمار لحمك ياكلك ماكترتاح غير بالعصا"
    همهم رادا عليه فسمعته "القواده هي أمك يا ولد الخيرية" = "أمك هي القواده يا ابن الملجئ الخيري. وصلتني كلماته فوقف شعر رأسي وتشوك بدني. ماذا لو سمعوه يقول هذا الكلام؟؟؟!!!
    أشفقت عليه. رغبت في نصحه فلم أستطع. تذكرت أحد رفاق الطفولة كان معاقا من إحدى رجليه, وعنيدا, وشقيا, لم يتفوق عليه أحد من أقرانه في السباحة ولا في تسلق الأشجار, لذلك كنا نلقبه ب(قريده) ساعدته مواهبه تلك في الهجرة سرا إلى أوربا( متشعبطا) أسفل شاحنة نقل دولي. لم يعد. سمعت أنه يشتغل في سرك متنقل.
    يتبع بحول الله تعالى...
    [1]تمارة هو اسم مدينة شاطئية في ضواحي العاصمة الرباط أصبح اسمها أشهر من نار على علم بعد انتشار خبر معتقلها السري الذي يسام فيه أبناء الإسلام سوء العذاب على أيدي عبيد أمريكا الجدد

  5. #5
    زيزوم فـعّـال الصورة الرمزية ابو نزار البيضاوي
    تاريخ التسجيل
    Oct 2009
    المشاركات
    155

    افتراضي رد: إعادة نشر((شذرات من أقبية الأبالسة))

    4

    ...الفطور ...الفطور ...الفطور...أمدوني بكأس بلاستيكي دافئ وقطعة خبز خبز محشوة بشيء من الزبدة والمربي " كول باش تقول " صاح الموزع كعادته ساخرا . كلما وزعوا وجبة كرروا هذه اللازمة . لن آكل سأتحدى. سأضرب عن الطعام احتجاجا على ظلمي وتواجدي هنا.



    فزعت من الفكرة. وتراجعت عنها فورا حين ذكرت ما حكاه لي أحد المارين سابقا من هنا. حيث أرغموه على أكل "دانون" مخلوط بالبراز حين امتنع عن الأكل. ح -خ. بدوره حدثني أنهم سقوه في ولاية أمن مدينة فاس قارورة مياه مجاري, وبول آدمي. ونصف خبزة محشوة بعلبة سردين وكمية من البراز بعد تجويعه ومنع الماء عنه لمدة خمس أيام في عز أيام الحر كاد يهلك فيها جوعا وعطشا. حدث هذا قبل أن يرحلوه صوب المعتقل السري بتمارة حيث تبولوا مباشرة في فمه وأدخلوا عصا في دبره . ثم حاكموه بعشرين سنة سجنا مع الصائر . أي صائر ؟ّ! الله أعلم!!



    شعرت بالقيء والتقزز, وأسرعت إلى الكأس. بصعوبة بالغة كنت أرفع يدي المقيدتان نحو شفتي المتورمتين . حولت القهوة الدافئة إلى حمام فم



    (Bain bouche)



    فكرة جيدة تكمد جراحات فمي الداخلية. اللهاة, اللثة, اللسان...رغم ما بدلته من جهد لحماية وجهي فقد وصلتني لكماتهم. أمضمض بالجرعة الدافئة أحولها في كل أرجاء فمي. وأحس ببعض من لذة وراحة مؤقتة من الألم أغرغرها في حلقي وحين تبرد أبتلعها.



    ..آلحاج...آلحاج...زدني شويه دالقهوه الله يرحم الوالدين "



    في نبرات صوته مسحة من جنون وحمق. نجا من قبل حين شرع في الغناء مرددا مع الشريط...زيد دردك ...عاود دردك...لا أظنه ينجو هذه المرة خاصة وأن اليوم في أوله وقد يحتاجون لمن يفطروا عليه.



    "مال أمك تحسب راسك في أوطيل خمس نجوم..."



    نزلت على المسكين بضع ركلات من كل جانب وشرع في الصياح والإستغاثة بأمه "وآآآامي...وآآآمي... وآآآمي... بعد أن تركوه وانصرفوا نصحه جاره هامسا:



    استغث بالله يا أخي هو المغيث...أمك لن تصنع لك شيئا هنا...الله هو المغيث القادر...ومثل هذه الإستغاثة بغيره لاتجوز...



    فصرخ مرة أخرى : "...آلحاج...آلحاج... "



    " مال أمك ياولد الق...ماشبعتش نزيدوك ..."



    لا...لا آلحاج هذا راه كيتكلم معايا "



    شكون هو فين هو دين مو ...جاؤوا يركضون...



    "هذا...هذا أمسك بصاحبه ولم ينتظر أن يسألوه عما كان يكلمه به " يقول لي اسثغت بالله وحده لا شريك له..."



    صاح أحدهم في غضب "هذا يحسب راسو عايق وشبعان فلسفه جيبو يماه"



    جروا المسكين . ثم انهالوا عليه تعالى صراخه على الموسيقى الصاخبة. شرع جاري المعاق يتململ وكأنه يتوسد الشوك : اللهم سلم يا رب. خمنت أنه يريد ارتكاب حماقة هو الآخر. صراخ المسكين يزداد ويتعالى...



    وكأن هذا العالم المجنون قد وضع سدادات في أذنيه وأحكم غلقهما حتى لا يسمع الآهات والأنين المنبعث من هنا. وما أدراك ما هنا!! حمزة لا بواكي له. صدقت يا -ع- " لن تبك عليك غير أمك "



    الموت الرهيب لا نهاية له . والسياط والأيدي الخشنة والألسنة الطويلة قطعها الله تعزف مقطوعة دامية رهيبة . مرة أخرى عرفت معنى "الحكرة" والقهر الحقيقي . وبدا لي أن الإنتماء الحق لهموم هذه الأمة وأحزانها يعني الموت في كثير من الأحيان. وعلى يد من؟هذا هو ما يجنني! على أيدي من يتكلمون بألسنتنا ويتسمون بأسمائنا. تبا لهم...



    الموت...!!!نعم الموت...هددوني به مرارا. وقال لي أحدهم في الزيارة السابقة. وأنا معلق أتأرجح في الهواء كخروف عيد:" سنقتلك ككلب مسعور يحمل داءا معديا "



    يستطيعون فعلها. وقد فعلوها بغيري هنا. وادعوا أنه كان يعاني مرضا مزمنا. لن يخسروا شيئا . تقرير طبي....وعناوين بالبنط العريض على صفحات أبواقهم الأولى...وفاة زعيم الخلية الإرهابية المفككة مؤخرا نتيجة



    إصابته بمرض مزمن . أو وفاة زعيم الإرهابيين متأثرا بجراحه بعد محاولة فرار فاشلة من قبضة قوات أمننا الباسلة . ثم مقتطفاة من بيان بارد رديء لجمعية حقوقية مخترقة يطالب بإجراء خبرة طبية نزيهة لكشف أسباب الوفاة!!! صيحة مبحوحة في واد سحيق.



    أعادوه يئن ويتألم ورموا به مهددين ومتوعدين كل من كلم جاره بنفس المصير.



    اللعنة عليهم ... أنسوني صلاة الصبح . تيممت وصليت إيماء برأسي من غير أن أتحرى القبلة. فكرت أن أسألهم عن اتجاهها وتراجعت في الأخير. قد أسبب لنفسي في وجبة أنا في غنى عنها . لو كانوا يعرفون القبلة لما كانوا هنا . ولما تفننوا في سب الخالق قبل المخلوق.



    تكثر وتكبر أشواقي .هنا وتصير الأشياء التي لم أكن ألقي لها بالا ذات أهمية كبيرة. أشتاق فعلا للبادية.



    كم أحب الخضرة؟! آخر مرة زررتها بعد خروجي الأول. انتابني إحساس بأن العالم قد تنكر لي . الكل يتحاشاني . أشجعهم من كان يسلم في سرعة ثم ينطلق لا يلوي على شيء. إعتكفت في البيت, أصارع آلام نذوب في داخلي أبت أن تنمحي. ألحت علي أمي في السفر لتغيير الجو بعدم رفضت بقوة فكرة زيارة الطبيب . لم أومن يوما بشيء اسمه الطب النفسي . بل كنت أعتبر أصحابه مجرد بائعي كلام يحتاجون للعلاج أكثر من غيرهم.



    أخذت منهم ترخيصا شفهيا, وخضعت لاستنطاق مطول بعد عودتي. حتى الحمير التي امتطيتها هنالك سألوا عن ألوانها وعلموا من يمتلكها...



    مشيت حينها وسط الحقول الخضراء . وانتشيت بجو الصباح العليل. ووجوه الناس الباسمة عكس أهل الحاضرة ... خيل إلي ، الأرض تغني أغنية عاشق متيم . كانت أغصان الأشجار في تلك الأيام الربيعية تبدو لي وكأنها تتراقص في دلال ...فرح بي أهل الوالدة هنالك منهم من لم أعرفه أو أراه من قبل. بدأت أفكر حينها في إطالة إقامتي هنالك . ولم لا أشتغل في الفلاحة وأستغل نصيب الوالدة من الأرض .على أغيب وجهي عنهم أو ينسونني.؟ عشت الفرح لأيام ...إلى أن أفسدوه علي كعادتهم في إفساد كل جميل. خلوتي وهدوئي هناك. ماكدت أبلغ اليوم الرابع حتى رن الهاتف. صوت جاف يأمرني بالعودة فورا.لم يمهلني الخبيث حتى أبرر له سبب رغبتي في البقاء هناك أكثر.



    قطع الخط, فقطعت المسافة عائدا صوب بيت أسرتي فورا حتى لا أخلق لنفسي مشاكل أنا في غنى عنها ...كل هذا الإفزاع ليعرض علي صورة كالعادة سائلا: هل تعرف هذا؟ هل سبق أن رأيته وأين؟ لا ينتظر جوابي بالنفي ليقول لي نريد أن نعرف كنيته وأين هو الآن؟.



    وخزات كالإبر تعم كامل جسمي. والأنين من حولي لا يتوقف,وجاري المشاغب لايكف عن الحركة ووكزي بين الفينة والأخرى طالبا مني الدردشة معه لأنهم ليسوا هنا. كان يهمس لي في كل مرة وبإلحاح بالغ:



    " نزل البانظة راهم مكينينش"( أنزل العصابة إنهم غير موجودين).



    أتجاهله احتياطا و خوفا...ويواصل إصراره على جعلي أتكلم كان يراني ولا أراه :" الأخ جابوك جديد." أصمت ولا أجيب.



    " قل لهم يعطيوك صنداله وتريكو تلبسهم على البرد "



    (أطلب منهم نعلا تنتعله وقميصا صوفيا لتحمي نفسك من البرد).



    كان يعرف متى ينزل البانضة عن عينيه ومتى يردها. غريب أمره.



    في كل مرة ينادون رقما معينا, ترتعد فرائصي ويرتجف جسدي. يأخذون الضحية نحو المسلخ . ناذرا ماتمر جلسات التحقيق دون عنف وجلد. كل من يذهب به يعود محمولا. مجرورا يبكي , يتألم وينتحب . تتقطع نياط قلبي لآلام الآخرين.



    في كل مرة أبلغ قمة اليأس أحاول مواساة نفسي خفية لأخفف عن بعض آلامي. أقول لها مستحضرا ما قرأته عن الإبتلاء وسنن التمكين : إن العقبات دائما تعترض سبيل المصلحين وأهل التوحيد الحق لذلك وجب الصبر والمصابرة في مثل هذه المواطن . هكذا سير الأنبياء والمؤمنين وزعماء الإصلاح. وقادة الجيوش الكبار. ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة. إذن مادام الأمر كذلك فعلي الصبر . وكيف لا أصبر وأنا من كنت أزعم أنني أريد إهراق دمي قربة لهذا الدين العظيم ونصرة لأهله المستضعفين. فليكن ما أراده الله. هكذا أعزي نفسي. فأرتاح .



    الخبثاء يفسدون الأفراح وكل ما هو جميل. ويعطلون المشاريع ويحاولون وضع العصا في عجلة التاريخ وسيرورة الحياة . تبا لهم . أولاد كلب.



    لم أمكث سوى شهور قلائل حتى أعادوني. حاولت بعد الخروج أن أتغلب على جراحاتي النازفة. وكوابيسي اللامتناهية . مخلفات شهور عندهم. أرهقتني فاتورة الأدوية التي لم أعد أستطيع النوم والعيش بدونها . نصحني الطبيب النفسي الذي ساقوني إليه مغلوبا على أمري قائلا:



    "اسمعني جيدا عليك أن لا تترك الدواء الذي وصفته لك. وأن تشغل وقتك وتملأ فراغك بشيء ما ...وحاول النسيان...إنس مافات وابدأ من جديد... فكر في المستقبل ولا تضل مرتهنا بالماضي السيء ...و...و...و...



    أنظر إليه كالأبله وأردد في نفسي ,أنت لا تعلم شيئا . كل ما يهمك هو أن أأدي للفتاة الذميمة المتعجرفة التي في الإستقبال مبلغ المائتي درهم قبل أن تسمح لي بالدخول لرؤية وجهك والإنصات لكلامك الذي حفظته عن ظهر قلب من كثرة التكرار.



    وجدت عملا في القطاع الخاص بعد وساطة من أحد معارف الأسرة الذي كان شرطه الوحيد أن لا يعلم أحد بالأمر. لم يتركوني أكمل الشهر حتى ظهروا في طريقي من جديد. ناداني المدير الفاسي لمكتبه الفخم, فتوجست. لعنت إبليس ودخلت عليه الباب بعد طرقه طبعا. بدون مقدمات خاطبني صارخا وقد إكتسى وجهه المنتفخ كوجه طفل من أبناء الأغنياء حمرة غضب:



    " لأول مرة في حياتي أخضع بسببك للإستجواب. إذهب بعيدا عني...لم يمهلني لحظة لأشرح له...إنتهت المقابلة...اذهب بعيدا عني...لا أريد أن أراك مرة أخرى هنا...وإلا هاتفت الشرطة . نادى الكاتبة التي سلمتني ظرفا فيه أجرتي.غادرت ونظرات الشفقة والشماتة أيضا تتابعني. بقيت بعدها شهرا أبحث , لم يكن من اليسير أن أجد عملا.



    أعرض شهاداتي وخبرتي وأحاول إخفاء شبهتي التي صارت تطاردني كما كانوا هم يطاردونني. كلما اقتربت من الظفر كانوا يظهرون في طريقي كأشباح مفزعة تعكر علي أحلامي الجميلة. ساءت نفسيتي أكثر ...



    كنت أسائل نفسي لم كل هذا الغل؟؟



    أمروني أن لا أحكي ما جرى لي لأحد ولا أتصل بجمعية أو صحيفة ففعلت. أمروني أن لا أغادر المدينة إلا بعد إخبارهم ففعلت. وأن أحظر كلما رغبوا في مثولي أمامهم ففعلت. ألا أستعمل غير هاتف واحد برقم لا يتغير ففعلت. أذعنت لأوامرهم صابرا منتظرا الفرج والفرصة للخلاص.



    فبلغ بهم الأمر أن حاصروني في لقمة عيشي وأسباب رزقي. كانوا يريدون دفعي نحو مزيد من المرض أو الجنون واليأس والإنتحار أو أصبح عميلا لهم . لن أفعل سأرفع التحدي وأظهر لهم التمسكن والدروشة حتى يحين الفرج. هكذا قررت.



    كنت أحس بألم عميق وأنا أرى أختي تخرج كل صباح للعنل فيما أنا لم أجد ما أعمله. في الأخير اهتديت لفكرة العربة المدفوعة. صنعتها بيدي وتوكلت على الله, أبيع العصير البارد متجولا طيلة اليوم, وفي الليل أركنها عند رأس الزقاق. أبيع سمك السردين الرخيص مقليا وما بقي من عصير النهار ( أكلة خفيفة) تغير لوني وشكلي. لفحت حرارة الصيف وجهي فمال لوني للسمرة وازداد جسدي ظمورا. رغم كل هذا فقد كنت أحس بسعادة بالغة وأنا أمد الوالدة مساهما في مصروف البيت,وأسمع دعائها لي بالرضى والبركة والتيسير . بدأت أخرج من قوقعتي وتلعثمي. ثم شرعوا في الظهور . كانوا يحرضون السكارى والمنحرفين لافتعال المشاكل والمشاجرات معي ليلا. فكنت أكبح جماح غضبي وأهدأ أعصابي التي تغلي وتفور رغم الضربات العنيفة التي تتلقاها عربتي المجرورة ومحاولات قلبها المستمرة. مرة , التقيت أحد أولئك المغرر بهم في حمام الحي الشعبي. ما أن لمحني حتى سارع إلى إلى معانقتي بحرارة والاعتذار بشتى الأعذار, حدثني وهو يساعدني في حك ظهري وهي عادة تضامنية اجتماعية تعرفها الحمامات الشعبية. أنهم استغلوا إدمانه , اشتروا له قارورة خمر رخيص وبضع حبات (قرقوبي) مهلوسة وأغروه بكسر عربتي ومنعي من عرض تجارتي في رأس الدرب . وليبرهن لي على صدق توبته وندمه على ما اقترف في حقي ووبخته عليه أسرته حينها أشد التوبيخ كما قال. فقد أسر لي بلائحة طويلة من عملائهم وعيونهم في الحي ممن يترددون على مكتب الحاج ويتردد عليهم باستمرار.



    صعقت!! منهم من لا يتخلف عن حضور الصف الأول في الصلوات الخمس . الجزار, الخضار , الإسكافي ,صاحب الفرن, البقال , جارتكم فلانة, بنت الحاج فلان ...لائحة طويلة من (المتطوعين) الذين لا ينتظرون جزاءا على خدمتهم ولا شكورا .



    لطفك يارب ورحماك... عالم مهووس...عالم ملغوم...عالم مجنون...



    بعد أيام من الكد والتعب(وقف علي) قائد مقاطعة الحي وكوكبة من المخازنية (رجال القوات المساعدة) بلباسهم الكاكي الباهت. أطفئوا الغاز وصبوا الزيت الساخن من المقلاة جانب الرصيف ,ثم ساقوا العربة أمامهم نحو ( الفوريان البلدي) الذي ترمى فيه محجوزات المواطنين قبل عرضها في مزاد الخردة العلني. ترجيته دون إلحاح وترجاه بعض كبار السن ممن حضروا الموقف دون جدوى. صعد سيارته غير مبال بي. في الغد زرته في مكتبه باقتراح من مقدم الحي لعلي أسترجع العربة . بعد انتظار طويل دخلت مكتبه الذي خرجت منه إمرأة شابة تركت رائحتها القوية في كل أرجائه. تغامز وتلامز مجموعة من الموظفين بعد خروجها مما يوحي أن الأمر فيه إن بل إن وأخواتها.



    برر لي تصرفه بكثرة الشكاوى المقدمة ضد سمكي المقلي الذي كان سببا في عدد من حالات التسمم والإسهال ...هكذا زعم ...!!!



    شكوت له حالي وصحتي المعتلة ووضعت أوراق الطبيب وفاتورة الأدوية الغالية على مكتبه. سكت قليلا,وتظاهر بالإنصات والإشفاق والتأثر لحالي.



    اسمع يا بني . والله لقد تأثرت لك كثيرا. لكن لا عليك عندي لك حلا. هل تريد أن تعمل عملا شريفا وبمدخول جيد ومستقبل مضمون.



    كنت ألمس خبثه من كلماته وأعرف من أوصاه بهذا السناريو لكني تظاهرت بالغباوة. أطنبت في كلمات الشكر والدعاء له بموفور الصحة والعافية . دون أن أسأله عن طبيعة العمل تابع قائلا :



    "الأجر الشهري ضعيف لا عليك هذا لا يهم لأن هناك قنوات أخرى حلالا طيبا الناس شيدوا المنازل ذوات الطوابق الثلاث والأربع واشتروا منها السيارات والعقارات...



    أظهرت السرور لكلامه فأطنبت في كلمات الشكر والثناء له ودون أن أسأله عن طبيعة هذا العمل المغري تابع قائلا :



    "عندنا مقدم حي كبير السن ومصاب بداء السكري سيحال على التقاعد آخر هذا الشهر بعد أن أمن مستقبل أبنائه وبنى بيتا من ثلاثة طوابق ...



    سأبدل مجهودا وأتصل بالجهات المسؤولة لتشغل أنت مكانه وسأقول لهم أنني أضمنك !!!



    تملكتني الدهشة واستمر يمثل علي دوره كمونولوج فردي ساخر . لم يتوقف عن الكلام الذي بدا لي أنه أجهد نفسه لحفظه . لم أتمالك نفسي, ومن غير شعور انفجرت في نوبة ضحك هستيرية...انتهت المقابلة بطردي من مكتبه ...



    عدت للعطالة والكآبة والإنزواء ...بإلحاح من والدتي صنعت عربة أخرى بعد ما ذقت طعم العزلة القاتلة لأيام أخرى. غيرت منطقة نفوذ( صاحبي) القائد . لعبة القط والفأر لا تنتهي . لم يتأخر رد فعلهم. نفس السيناريو يتكرر. غير أنهم في المرة الثانية لم يدفعوا العربة بل حطموها أمام ناظري واستنكار بعض الزبناء والمارة الذين واسوني بكلماتهم . كوموا حطامها في شاحنة البلدية لحرقه بعيدا عن المساكن.



    كان صاحبي الأول أرحم من الثاني. خلفت الحادثة في داخلي نذبا عميقا لن يمحى . انضاف إلى نذوبي الكثيرة الغائرة.



    كلما تخيلتني مقدم حي أضحك حتى تغرورق عيني. وأسخر من نفسي. لشد ما أكره هذه المهنة منذ صغري وازداد كرهي لها الآن . عيون وزارة الداخلية التي تحصي أنفاس العباد وتحشر أنوفها في كل شيء في محتوى قفة البيت وضيوفه وعدد الخبزات التي تعجن ونوع الهاتف المستعمل وكل ما لا يخطر على البال . لن أنسى ذاك اليوم وأنا صغير. رزأ حينا بمقدم من أخبث مخلوقات الله زوجته عاهرة قواده و أمه كانت مشعوذة وجهها وجه شيطان نفزع منها ونحن صغار أما أبناؤه منحرفون لا يغادرون السجون إلا ليعودوا لها بالتناوب . وأحيانا دفعة واحدة . ذرية بعضها من بعض. عدنا من المدرسة في زوال ذاك اليوم الخريفي أثارتنا جمهرة الناس من سكان الدرب وغيرهم من الدروب المجاورة والمارة وبشغفنا الطفولي وشغبنا تسللنا لمقدمة الجموع لنفاجأ بالمقدم يخرجون به شبه عار يرتدي سرواله فقط ويلقى به في سيارة الأمن. كاد الأمر أن يتحول إلى مصادمات بين المواطنين الذين علا صفيرهم وأصوات احتجاجاتهم مستنكرين فعل المقدم وهجومه على امرأة وحيدة في عز النهار.



    إلى هنا كانت الأمور تجري بشكل عاد فالقصة لا تعدو عن مثيلاتها الكثيرة الوقوع في الحارات الشعبية التي يكون في كثير من الأحيان أبطالها بعض أعوان السلطة ورجالاتها.



    في الغد بدأت الحقيقة تنجلي على لسان السكان بتشفي ونكاية في هذا الجربوع كانت القصة كالتالي : صاحبة هذا البيت هي زوجة أحد تجار المخذرات الذي دخل السجن وحوكم بسنتين نافذة مع الغرامة لشركة التبغ والجمارك صاحبنا الجربوع زاغت عينه حين تقدمت له تطلب إمدادها بشهادة السكنى التي تتفاوت تعرفتها في بلادنا من منطقة لأخرى حسب شطارة المرء وولائه للسلطة وعلاقته بأعوانها وعلى رأسهم مقدم الحي طبعا . وهكذا كل الوثائق الإدارية الأخرى. راودها عن نفسها كما كان يفعل مع غيرها فكان منها أن تبسمت له لا لشبهة فيها فالكل كان يعرفها امرأة شريفة رغم وضع زوجها وتجارته. لكنها تبسمت لتحصل على مرادها(الشهادة) وحتى لا تحرم حقها هذا. فظن الغبي أنها دابت في حبه وأعجبت بوجهه القبيح الذي كان يشبه وجه جرد أجرب خرج لتوه من بالوعة مجاري. فبدأ في مطاردتها و اختلاق الأسباب العديدة لطرق بيتها



    في كل مرة,ضاقت به ذرعا فكلمت زوجها المسجون بذلك,وبما أنه سجين وليس له ما يخسره فقد نسق خطة محكمة مع أشقائه وبعض أصحابه خارج السجن للإيقاع بالجرد . وأي إيقاع؟ انتقام من نوع خاص!!!



    تظاهرت المرأة برضوخها لنزوة المقدم وواعدته في بيتها ليلا بعد ما تهدأ الحركة وينام الجميع. فما كان منه إلا الاستعداد والمجيء لحتفه وهو يمشي على قدميه . ما إن ولج البيت ونزع ملابسه حتى وجد المفجأة في انتظاره



    خرج له أشقاء الزوج السجين وأصدقاؤه من مخابئهم فكان الإنتقام الفظيع تناوبوا على اغتصابه بعدما كبلوا يداه وأخرسوا فمه . تناوبوا على اغتصابه ,كانوا ستة أو سبعة أو ثمانية . لايهم اختلاف الرواة. رواة الحي في عدد من قاموا بالفعلة. المهم أنهم فعلوها وانصرفوا لترفع بعد ذلك المرأة عقيرتها للسماء مستغيثة مستنجدة بالسكان. وبعد توتر الوضع . تنكر له أسياده. وحوكم بالهجوم على مسكن الغير ومحاولة الاغتصاب. خرج من السجن فاختفى رحل غير مأسوف عليه وترك حكايته التي أصبحت مثار سخرية للأجيال. لازمتني هذه الصورة عن هذه الوظيفة الحقيرة . وغيرها من الصور والحكايات الكثيرة عن المقدمين . أما الآن فازداد كرهي لها ولأهلها. وانضافت لها في فترة شبابي وبعد سجني لائحة طويلة من المهن والوظائف البغيظة إلى نفسي...سجان ...جلاد...صحفي موجه عن بعد...مغرق...الله يلعن بوها حرفة كما يقول المثل الشعبي....




    يتبع بعون الله

    **********************

  6. #6
    زيزوم فـعّـال الصورة الرمزية ابو نزار البيضاوي
    تاريخ التسجيل
    Oct 2009
    المشاركات
    155

    افتراضي رد: إعادة نشر((شذرات من أقبية الأبالسة))

    5



    ...تمر الساعات هنا كئيبة ثقيلة وكأن اليوم لا نهاية له. بعد توزيع وجبة العشاء عادة ما تدور الرحى . هكذا عهدتهم . إلا أن يكونوا قد غيروا البرنامج. وكأني بهم ينامون نهارا ويستيقظون ليلا كالخفافيش. علمت من خلال التجربة السابقة لماذا يفضلون التحقيق ليلا. فهي فرصة للمنع والحرمان من النوم . النوم هاجس الضحايا خصوصا الجدد منهم. كل شيء هنا ممنهج ويسير وفق دراسة مضبوطة, مدروسة. الحداثة والعولمة وصلتا المكان أيضا...عولمة في مقاصد الترهيب ووسائل التنكيل بالعباد لإذلاهم وتركيعهم.



    هنا يدرك المرء حقيقة الكثير من النعم التي لا نعرف قدرها إلا بعد الحرمان منها. نعمة البصر... نعمة الأمن ....نعمة الحرية...نعمة العقل...



    نعمة النوم...تدبرت طويلا في قوله عز وجل( جعل الليل لباسا والنهارمعاشا). وفي قوله تعالى (قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة. من إلاه غير الله يأتيكم بضياء . أفلا تسمعون)



    هنا لا يعترفون بشيء اسمه السنن الكونية. وهذا الظلم المستشري على هذه الأرض لا يمسخ آدمية الإنسان ويغير ما فطره الله وجبله عليه فحسب



    بل له نفس المفعول على بقية مخلوقات الله الأخرى. وهؤلاء الشياطين المردة يغيرون خلق الله كفرا وجحودا...لم يتركوا شيئا...



    لطالما تسائلت . ترى كم يستطيع الإنسان أن يبقى يقضا مفتح العينين ...يومان ...ثلاثة...سبعة...هنا لن تنام حتى يحلبونك حلبا...تجاريهم وتوافق على تمثيل دورك بإتقان. بعدها يدعونك تنام...تأكل وتشرب وأهم شيء العلاج. يداوون جراحك بأدوية أمريكية الصنع.هكذا قرأت علبها!!! Made in usa



    ذات مفعول قوي وشبه فوري كالسحر.ثم يرسلونك للمثول أمام القضاء (النزيه والمستقل) وكأنك كنت في فندق من خمس نجوم . حينها لن يصدق أحد(إدعائك) بالتعرض للتعذيب ولن تعرض على خبرة طبية كما يقرر ذلك قانونهم المطبوع طبعا على الورق فقط. وإن حدث وداهمهم الوقت أو لم تشف جراحك لسبب ما وعرضوك على قاضي التحقيق بعينين متورمتين وأنف مكسور مهشم وسبعة عشر غرزة في الرأس .



    فسيتهمك بأنك تعمدت ضرب رأسك بالحائط وإيذاء نفسك للنيل من سمعة الشرفاء. حدث هذا للأخ - ن م -



    شربت بعض الحساء الدافئ مضمدا به جراح فمي الداخلية ,كما فعلت مع قهوة الصباح المخلوطة بالحليب. كنت كمن مضغ حفنة زجاج .



    صرت أبلع دون مضغ لأن ذلك يؤلمني ويدمي فمي المجروح .



    لا شك أن الإشاعات سرت مرة أخرى في الحي سريان النار في الهشيم, وأن الأزقة الضيقة قد امتلأت بالتعليقات, والمبدعون قد أضافوا أخبارا إضافية كثيرة بغية التشويق والإثارة. في المرة السابقة زعموا أنه قد وجد في بئر محفورة بعناية وسط غرفتي كمية كبيرة من المتفجرات الخطيرة لو انفجرت لمسحت الحي بكامله من الوجود . وقال آخرون أنني من قادة المتطرفين على مستوى المملكة وأن لي صلة بأحداث 11 سبتمبر وكان مقررا أن أكون على متن إحدى الطائرات لولا تأخر حصولي على التأشيرة لدخول الولايات المتحدة الأمريكية!!!



    أما أحد الخبثاء فقد حدث أنهم وجدوا معي مبلغا هائلا من المال بالعملة الصعبة استلمته من جهات أجنبية لاستخدامه في عمليات تخريبية ...



    أثمرت الحادثة ألف حكاية وحكاية , وتاهت حقيقتي في خضم ما يتقيؤه الكذابون وصانعوا الإشاعات من العاطلين ومن لا هم لهم سوى نهش لحوم العباد. المنهوشة بالسياط وصعقات الكهرباء.



    جراحات السنان لها التئام ولا يلتئم ما جرح اللسان



    لم يكلف أحد نفسه عناء التثبث من المصادر الحقيقية لهذه الإشاعات والهدف من ورائها. أما بيت أسرتي فقد أصبح كبقعة أرض نزل بها طاعون يفر منه الناس . احتجبت أمي في البيت لأيام مذ تعمدت إحدى المشبوهات سيئات السمعة إسماعها كلاما جعلها تلزم فراش المرض لأيام.



    قالت الخبيثة وهي تخاطب رفيقتها في فرن الحي العمومي بصوت مسموع جهوري . متعمدة أن تبلغ كلماتها مسامع والدتي:



    " أنا بعدا ولادي يلا مشاو للحبس كيدخلو ليه غير على السرقة ولا الحشيش ما كيفركعو قهاوي ما كيقتلو أبرياء...عقبت صاحبتها شكيكو...الله يسترنا...الله يسترنا..."



    (أنا أولادي إذا دخلوا السجن لا يدخلونه إلا من أجل السرقة أو الحشيش. لايفجرون المقاهي ولا يقتلون الأبرياء).



    حتى تلك الزيارات والمجاملات الإنسانية التي عهدت عن المغاربة وما عرفوا به من حسن الجوار,بمناسبة وبغيرها . لم يعد لها ضرورة . انقطعت أو كادت. شقيقتي المسكينة فسخت خطبتها وذهب العريس المنتظر إلى غير رجعة بعدما نكدوا عليه عيشه بكثرة استفساراتهم وأسئلتهم....تبا لهم جميعا ...تبا للعالم...قلت في غيظ :



    إذا رضي الإلاه فلا أبالي أسار الركب أم رضي الأمير. لن أكترث بكلام الخلق فهم يعملون الموبقات ويظهرون في الصفوف الأولى للصلاة بملابسهم الأنيقة التي تجلبها لهم بناتهم من عرق أثدائهن وبابتساماتهم الصفراء الخادعة . أعرفهم واحدا واحدا وأعرف أسرهم . تبا لهم...تبا لهم ...



    لا راحة في هذه الدنيا, تبدو لي كأكذوبة كبيرة ومهرجان ضخم وفارغ يعج بالمهرجين والممثلين والنصابين. لا أكاد أنجو من فخ حتى أقع في آخر فأضل أتلوى فيه ألما. صدقت أمي الغالية كثيرا مارددت :لا راحة في هذه الدنيا . الراحة في الجنة.



    أحاول السفر بعيدا بأحلام يقظتي. لولاها لمت خوفا وكمدا. أجد فيها سلوتي وراحتي خاصة في مثل هذه المواقف والأماكن. لكن يأبى القوم إلا أن يفسدوا كل شيء كعادتهم دائما. نادوا رقما معينا . فأخذوا صاحبه.بدأت أطرافي ترتعش . دعوت له في نفسي . يبدو كبير السن. لم يوقروا أحدا في هذه الحرب المعلنة. يمشي بصعوبة . وببطئ يجر قدماه . تخيلت بسرعة شكله ورسمته في مخيلتي.عدلت الشكل بعدما تكلم بلكنة أهل الشمال.



    "أنت شيخه ماشي شيخ ...أنت ماشي راجل..."



    هكذا بدأوا صراخهم في وجهه. ويجيبهم بلهجة أهل الجبل (جباله) ينطق بدل حرفي الكاف والقاف همزة. يضحكون منه ومن طريقة كلامه ويسخرون. يقلد أحدهم كلماته فتبلغني قهقهاتهم.



    "هادي خمس ايام وحنا كنساويو معاك ...احترمناك واحترمنا هاذ الشيب اللي في وجهك...ولكن أنت كلب ولد الكلاب...أنت قواد ...ولد قواده..."



    ردد المسكين ...أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.



    " الشيطان هو أنت ...الشيطان هو أبوك." هوت على وجهه وربما رقبته أيضا الصفعات المتتالية. صاح فيه المجرم (كابيلا).



    حينها وقف شعر رأسي وأصبت بمغص جديد وإسهال حاد. إنه هو. صوته لا أخطؤه ,يمكنني تمييزه من بين مليون صوت...كيف أنساه؟؟!!



    وجهه قطعة من عذاب كأنه خارج لتوه من جهنم. كل من مر من هناك يعرفه, اشتهر بهذا اللقب لشبهه الشديد بزعيم الثوار الذي أطاح بدكتاتور جمهورية زايير السابق موبوتو موسوسيكو وحل محله على رأس هذه المستعمرة الفرنسية سابقا الغنية بالأحجار الكريمة. غير إسم الجمهورية إلى الكونغو الديمقراطية. لكن إبنه لم يتركه يفرح بكرسيه . لم يمهله طويلا قتله بأمر من أسياده البيض أباطرة الألماس . وسار في جنازته ,وتلقى التعازي فيه من قادة العالم .هكذا قدر إفريقيا الجائعة, المتخلفة, الغنية. الإنسان لا يساوي فيها ثمن الرصاصة التي تخترق جمجمته قربانا للسيد الأبيض القادم من خلف البحار بخردة من سلاح لجني غلالها . أتسائل مرارا كلما ذكرت أو تذكرت أفريقيا . كيف كانت ستصير هذه القارة لو نجح مشروع ( القائد الملهم) القذافي في توحيدها كما زعم تحت اسم الولايات المتحدة الإفريقية . الجنون فنون. صدق من قالها. وأنا أضيف الجنون فنون والدوام لله سبحانه وتعالى.



    (كابيلانا) المحلي يشغل أيضا منصب رئيس. رئيس زبانية العذاب في سراديب الموت السري العلني ب معتقل تمارة. يتفنن في أجساد ضحاياه كتشكيلي مهبول مولع بالأسود والأحمر والأزرق. مذ خرجت في المرة الأولى ووجهه البشع لايفارقني في كوابسي الدائمة. حاشا البشر أن يكون من فصيلتهم. رأسه مربع كجهاز تلفزيون صغير. هو من حاول إدخال العصا في دبري عليه اللعنة إلى يوم الدين.



    يصيح كالمجنون دائما بصوته المرعب المميز ورجع صداه يهز المكان.



    " أنا أبو جهل...أنا أبو جهل ...أنا أبو جهل. أبو جهل لم تذكر كتب التاريخ والسير عنه أنه فعل ما فعله كابيلا في ضحاياه...



    أجزم أن الأنبياء والرسل لوبعثوا في الزمان لما تورع أبو جهل الزمان في التنكيل بهم.



    نزع البانظة عن عيني حين حللت ضيفا في أول مرة وقال لي:



    "عارف شكون أنا؟؟؟ "



    أجبته وقد تملكني الرعب من شكله البشع وعيناه التي يترامى منهما الشرر وتنبعث منها الأشعة النارية .



    "لا ما عرفتكش شكون أنت."



    أنارت النجوم وتراقصت أمام عيني بصفعتين من يديه الضخمتين قائلا:



    "أنا هو مولنيكس اللي غادي تطحن أمك"



    (أنا هو الخلاط الذي سيسحق أمك)



    أمر المجرم بنزع سروال الشيخ



    "حيد ليه السروال,نشوفو واش شيخ ولا شيخه...!!"



    حوقل الرجل واسترجع :" لاحول ولا قوة إلا بالله...إنا لله وإنا إليه راجعون...حسبنا الله ونعم الوكيل..."



    ازداد غضب المجرم وانبعث من فمه المنتن أفحش الكلام.



    أنت من تقول للناس أن الديمقراطية كفر وأنه دين غير دين الإسلام .احمد ربك أيها اللوطي فلولا الديمقراطية, لدفناك حيا...!!!



    "أفضل أن أدفن حيا على هذه الإهانة"



    قهقهوا وسخروا من كلامه



    "...لم تر بعد شيئا..."



    انقضوا عليه لنزع سرواله.لم يقاومهم طويلا .ضل يحوقل ويكبر ويدعوا عليهم .شرعوا في ضرب إليته بأكفهم ويسخرون بكلام يعف القلم عن خطه:



    "هذا قرد ماشي شيخ...هذا قرد مزغب...قرد شايب...اقرأ يس آلفقيه... اقرأ القارعة آلفقيه... اقرا آلفقيه...



    "كم أعطيت فلان من المال؟؟؟"



    "لم أعطه شيئا أنا ليس لي ما أعطيه لأحد.وأجرة إمامة الناس وتدريس القرءان للأطفال لا تكفيني لمصاريف نصف الشهر. فكيف أعطي فلانا؟؟"



    عندنا معلومات أنه زارك قبل سفره إلى أفغانستان وباركت خطوته وأعطيته مبلغا كبيرا لإيصاله إلى هناك "



    "هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين. أنا لا أخفي أنني أعرفه.لكني لم أعطه أو يعطني شيئا.



    ازداد غيظهم وحنقهم عليه بعد إجابته تلك. وازدادوا عبثا في عورته وسخرية واستهزاءا وبذاءة دون أدنى خجل أو تحفظ . اعتصرني الألم وسمعت نحيب من يرقدون بجانبي .



    هنا لا قيمة لأحد يستوي العالم و العامي. كل من يغرد خارج السرب يسحق امتثالا وتنفيذا لتوصيات إلاه العصر وهولاكوه القائل"معي أو مع الإرهاب



    الذين يتحدثون دون ملل عن طي صفحة الماضي وعن عهد جديد وعن كرامة الإنسان وحقوقه...بلهاء مخدوعون أو كذبة انتهازيون . المساحيق مهما غلا ثمنها فلن تغير شيئا من تجاعيد وقبح العجوز الشمطاء .



    هنا المدرسة والكلية الخاصة التي يمكن للمرء أن يتعلم فيها أصول الإرهاب, إن كانت له أصول! لم يكن الحقد الذي صار يغلي في داخلي ليجد له مكانا في صدري لو لم ألج المكان. أصبحت تراودني الأفكار والخيالات الرهيبة. أتمنى لو أن معي منشارا كهربائيا فأقطعهم إلى أجزاء ثم أرمي بها للكلاب والحيوانات الجائعة. أما كابيلا فأقص لسانه الفاحش أولا ثم أضعه في آلة تناسب جثته. وبكبسة زر واحدة يصير كفتة مفرومة طعاما للخنازير البرية الجائعة. نعم ,لن أقدمه لغيرها,هي الوحيدة التي أراها تقبل وتستسيغ أكله....



    وإن رفضته الخنازير فما العمل؟؟ سألقيه في البحر. لا...لا...لا... لن أفعل ,قد تصاب بحر ومحيطات الدنيا بالتلوث وتنفق أسماكها وحيواناتها...



    اهتديت أخيرا لفكرة النار. النار تطهر الأرض من أمثاله. سأحرقه إلى أن يصير رمادا. لا ...لا لن أفعل ...في الأمر نهي شرعي . فلا يعذب بالنار إلا خالقها. سأتركه إذن لخالقه فليفعل به وبأمثاله ما يشاء.هو القادر سبحانه. وهو المنتقم... هكذا أقرر أخيرا. حين أستفيق من أحلام يقظتي .



    ربما فقط لأداري عجزي أصل لهذه النتيجة مع يقيني في قرارة نفسي أنني لو أتيحت لي الفرصة لفعلت به وبأمثاله ما الله به عليم . لست نبيا لأقول لهم إذهبوا أنتم الطلقاء. أنا بشر تعتريني عوامل النفس البشرية. لهذا حتى وإن حاولت إقناع نفسي بالصفح فشيء ما بداخلي يأبى ذلك بقوة وشدة.



    حين يبكي الرجال, فعلى الأمة السلام. فما بالك حين يبكي قراؤها وعلماؤها وحملة كتابها. أعادوا الرجل الشيخ لمكانه ,فدخل في نوبة بكاء مرير. أحس المسكين بالغبن والاحتقار. بكينا جميعا لبكائه وشعرنا بنفس شعوره. مرة أخرى وجدتني أتمنى الموت على البقاء ...



    صاح المخبول الذي وشى بجاره صباحا:



    "اصبر آعمي هادو راهم يهود ماشي مسلمين..."



    تأكدت من جنون المسكين وإلا من يجرؤ على مثل هذا الكلام هنا. وكأني به يريد التكفير عن زلة الصباح. رفسوه بسرعة وهو يكبر ويسب ويلعن..



    يعلمون حاله ربما لذلك لم يأخذوه للمسلخ.



    أحس قلبي ينتفض دقاته تتعالى يخفق بشكل مرعب كأنه يريد أن ينط من فمي . دوائي لم يأتوا به معي. قد يكون الدور القادم علي؟؟هكذا خمنت. الآن لبضع دقائق , يعبون خلالها علب جعة باردة ثم يأخذون رقما آخر. أصبحت على حافة الجنون. ينشف حلقي دائما في مثل هذه المواقف العصيبة, وكثرة الشرب تزيد من حاجتي للمرحاض, وحين أعصر مثانتي لأتخلص من محتواها أضطر للتخلص من ماء آخر يخرج هو الآخر رغما عني من أمعائي التي يقطعها الألم الرهيب. ووقوف الحاج المكلف بالخراء" على رأسي يزيد الأمر استفحالا. يكرر دائما بتأفف بعد أن أكون واقفا فأقعد مرغما:



    "كنا في البول ولينا في البعر" لم يشأ أن يصدق أنني مصاب بالإسهال رغم أنه يرى ويسمع ويشم أيضا...



    جاري المشاغب كأنه ينام على الشوك أو يتوسد لوح مسامير. ينتهز كل فرصة لخلو الممر البارد من الحجاج لوكزي . لم تهدأ حركته. اقترب مني حتى التصق بي أوكاد ,عرفني بنفسه ومنطقة سكناه . أخبرته في وجل وخوف بصوت جد خفي عن اسمي وأنني جديد جاءوا بي من فراش النوم.



    فهمت منه أنه بدوره كان على أهبة الإلتحاق وأنه بدل مجهودا كبيرا لإقناع الإخوة هناك بقبوله نظرا لإعاقته. بعدما أصروا على بقائه حيث هو والإشتغال في الدعاية الإلكترونية والتجنيد. فأبى إلا المشاركة الفعلية. حدثني بصوت خافت حزين أنه لم يعد يطيق المكوث هنا بعد أن رحل كل أبناء حارتهم . و أن أعزهم إلى نفسه قضوا إلى ربهم . لم أسأله عن كيفية جهاده وهو المعذور لإعاقته( ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولاعلى المريض حرج ). ربما أحس استغرابي فحدث أن الشباب هيئوا له سيارة خاصة بأمثاله لا تحتاج سوى رجلا واحدة تدوس البنزين. قال وهو يضحك "هناك لم أكن لأحتاج الفرامل" الأمريكان أمامي فلماذا الفرامل رجل واحدة تكفي .




    يتبع ان شاء الله

  7. #7
    زيزوم فـعّـال الصورة الرمزية ابو نزار البيضاوي
    تاريخ التسجيل
    Oct 2009
    المشاركات
    155

    افتراضي رد: إعادة نشر((شذرات من أقبية الأبالسة))

    ...مغص بطني وآلام أمعائي,تزداد وتزداد وتزداد....وكأنني احتسيت سما. لم أعد أطيق. طلبت المرحاض فأخذوني, بدون مشاكل ولا تلكأ هذه المرة. لم أكد أجلس حتى أمرني المكلف بهذا الأمر برفع سروالي والوقوف :
    "حتى كتبدا الصياده عاد كيمشي السلوكي يبعر"
    حين يبدأ موعد الصيد وإمساك الطريدة يذهب السلوقي لقضاء حاجته.
    فهمت قصده وعرفت وجهتي, فازداد وجعي وحاجتي إلى إفراغ أمعائي...
    لم أترك دواء مضادا للإسهال إلا وابتلعته. حين شكوت الأمر للطبيب الثرثار حدثني أن الأمر نتيجة طبيعية للفوبيا الشديدة التي أعيشها وأنه قد ثبت علميا أن الخوف والفزع الشديد يصاحبه الإسهال والمغص الحادين و...و...و...والحل يادكتور؟؟؟
    "تخلص من السبب تتخلص وترتاح من هذا الأمر!!!"
    هكذا ببساطة اختزل لي الحل في كلمات...ثم زاد قائلا:
    "حاول أن تعيش مطمئنا ولا تخف!!!"
    ثم واصل سرد لائحة النصائح التي ستخلصني حسب دراسته و(علمه الكلامي)مما أعانيه. وأنا أتظاهر بالإنصات وأهز رأسي زاعما موافقته والاستعداد للعمل حرفيا بما يهرف به.
    مسكين هذا الرجل يبدو أنني في واد وهو في آخر. لاأخاف!!! كيف لا أخاف؟؟ والزمن زمن خوف والبلد بلد خوف!!! كيف لا أخاف ووجه كابيلا القبيح يحاصرني كلما غفوت أو حاولت ؟؟؟ كيف لا أخاف وعداداتهم تحصي أنفاسي وتخنق حركتي؟؟؟كيف لا أخاف وأبواب السجن الأخضر مشرعة تبلتع دون رحمة كتنين أسطوري هائج أو ديناصور يأبى الإنقراض؟؟؟ كيف لا أخاف والأهواء والشكوك والدسائس هي التي تصرف أمور الملايين من البشر على أرض هذا الوطن المنكوب؟؟؟
    مات الطفل الذي عهدته في داخلي أوكاد...لشد ما كنت فرحا سعيدا به. لكن الخوف والمحنة والظلم صيراني عجوزا محدودب الظهر. حطموني... أولاد الكلب. وما كدت أستعيد بعضا من توازني حتى تلقفوني من جديد . آه...آه...لو أمهلوني قليلا لأرحتهم ووفروا (جهودهم) لأناس آخرين.
    رغم كل شيء فكلما شعرت بالتضاؤل,الانهيار والمهانة دوى في داخلي صوت قوي أوعز لي أن أصبر, وأتحمل...
    مسكينة أمي ستبحث عني مرة أخرى في كل مكان, ستمزقها الحيرة والحزن والأسى والآلام...لن تنام. أكيد أنها ستفقد طعم النوم. وقد تعمى من كثرة ما ستدرفه علي من الدموع .
    طرقت أبواب المستشفيات,صارت تحفظ أسمائها عن ظهر قلب. وثلاجات حفظ الموتى , روعتها مشاهد الأجزاء الآدمية المقطعة والمحروقة التي تنتظر أهلها لأخذها من ثلاجات الطب الشرعي بمستشفى منطقة عين الشق وسط الدار البيضاء. حين غادرته أصابها الدوار وتقيأت,وغابت عن الوعي لم تفارقها الصور المروعة .
    مراكز الأمن هي الأخرى. الدار الحمراء, المعاريف ,الحي الحسني, الدائرة السابعة, التاسعة , الرابعة,لم تترك كوميساريه إلا وزارتها في رحلة البحث عني الأولى. طردها الوكيل العام للملك حين زارته للمرة الخامسة للسؤال عني شر طردة وأسمعها كلاما جارحا لم تستطع البوح لي به...لم تذق طعاما ولا شرابا ولا نوما إلى أن خرت طريحة الفراش تهدي باسمي...
    حكت لي بعد المحنة الأولى حين عدت ودموعها على خذها كشلال متذفق كيف كانوا يطاردونها في رحلة بحثها عني... زارت جمعية تزعم دفاعها عن حقوق الناس دون تمييز بينهم. وبعد تسويف وذهاب وعودة اعتذروا لها بدعوى حساسية القضية والظرفية الزمنية وانشغالهم بمشروع الإنصاف والمصالحة وجبر ضرر ضحايا الماضي!!!
    طرقت باب مرشح حزب (إسلامي) ما إن حدثته بالأمر حتى تغير لون وجهه وكاد يسقط مغشيا عليه... استغل عجزها وأميتها بعض النصابين أصحاب بدلة المحاماة السوداء فسلمته ثمن قطعة أرض . نصيبها في إرث تقاتل أشقاؤها فيما بينهم على الظفر بفرصة شرائه وضمه لأرضهم بعد ما ضلت لسنوات عدة ترفض التنازل عنها وفاء لذكرى والدها الراحل. مصائب قوم عند قوم فوائد. كان الله في عونك أيتها الغالية.
    الغرفة تفوح منها رائحة دخان السجائر الأمريكية وبعض المواد الكيماوية
    ازدادت آلام بطني وضاقت نفسي...تركوني لدقائق. ربما كان ينتظرون قدوم أحدهم أو يتطلعون إلي لقراءتي. دخل أو دخلوا لا أدري كم كانوا...
    "مرحبا بيك مرة خرى. هذا كليان قديم...احنا عزيز علينا لكليان ديالنا ...ما كنفرطوش فيه"
    (مرحبا بك مرة أخرى هذا زبون قديم ونحن نحب زبناءنا لا نفرط فيهم)
    "أخيرا وقعت في الفخ يا أبا جندل, كنت أعرف أنك ستعود مرة أخرى"
    خاطبني ساخرا بعربية الأفلام التاريخية. تحسب نفسك ذكيا... لكنك أغبى من حمار...
    أطرقت وطأطأت رأسي دون كلمة أو رد. الصمت في هذا الموطن حكمة. هكذا علمتني التجربة السابقة في مثل هذه المواقف .مجرد كلمة رد أو تعقيب واحدة تكلف الكثير الكثير الكثير...صرت أعرف متى يشتد غضبهم وأي الكلمات تزعجهم[1]
    اسمع وكن رجلا...سنبدأ معك من الأخير. وبدون مقدمات , يعني نريد معرفة نشاطك وحركتك وعلاقاتك واتصالاتك منذ خرجت من هنا آخر مرة وإياك أن تلعب فأنت تعرفنا ونعرفك...
    صمتت برهة لأستجمع شتات أفكاري...
    "أنتم تعلمون عني كل شيء, ومنذ خرجت ورجالكم على مقربة مني و(الحاج) ظللت على اتصل دائم به كما أمرتموني وهو يعرف عني كل شيء...و...
    "أنت كذاب...كذاب...كذاب ومنافق...وولد زنى....
    "أقسم بالله ال...." لم أكد أكمل قسمي حتى جاءتني الصفعات المتتالية والشتائم القبيحة النابية...
    لا تقسم...لاتقسم...أنت لاتعرف الله حتى تقسم به يا منافق. الذي يعرف الله لا يكون خائنا...وأنت خائن , خنت العهد وخنت الأمانة والوطن...!!!
    كلمات كبيرة. ومن يسمع أسطوانتهم المشروخة تلك يحسب أنهم يهيمون في حب هذا الوطن.
    "أنا أحب الوطن وأسرتي أسرة وطنية ووالدي كان..."
    قاطعني كبيرهم بكلام جارح في حق والدي ثم تابع :
    "باراكا من الشعر والتمثيل. قديمه هاذي "
    أمرهم ففكوا عصابة عيني بعد أن حولوني إلى زاوية الغرفة ووجهي للحائط ,وحذروني من الالتفات حتى لا أرى وجوههم القبيحة. ساءلت نفسي: ترى لماذا يتحرزون حتى لا يراهم الناس أيخافون لهذه الدرجة؟؟؟
    مم يخافون؟ على العموم أنا أيضا لا أرغب في رؤية وجوههم القبيحة. يكفيني ما أكابده بسبب وجه كابيلا وزبانية العذاب الآخرين ممن تنحصر مهماتهم في تقديم وجبات الطعام ووجبات العذاب.
    امتدت يد من خلفي ووضعت ورقة على الطاولة أمامي.
    مسحتها بسرعة بعيني . تقرير غبي كتبه أمي جاهل. ركاكة في التعبير وأغلاط إملائية لا يرتكبها تلاميذ الثالث ابتدائي حتى. ومن يدري فلعله كتبه مقدم حي. كثيرون ممن مروا من هناك أو جمعني بهم السجن لاحقا, ساقتهم وشايات المقدمين التي أضحت في هذا الزمن الغريب وفي بلد الغرائب هذا ترهن مصائر العباد وتعتمد عندهم أكثر من وحي السماء دون أدنى تبين أو تمحيص وألقت بهم خلف الشمس. وويل لمن أشارت له أصابع مقدم أو شيخ. من هنا تبدأ السلسلة!!! صارت لهم قيمة وشأن أكثر بكثير مما كانت. بعد إعلان الحرب على( الإرهاب) المزعوم زودوا بهواتف محمولة خاصة وباقة من أرقام رؤوس خفافيش الظلام, والويل كل الويل لمن غضب عليه أحد هؤلاء المنبوذين. حتى أن بعضهم وجدها فرصة للابتزاز ومصير من يرفض يكون تقريرا كاذبا يلقيه داخل القبر ,كما فعل بأحد من التقيتهم داخله والذي أقسم له مقدم الحي بالأيمان المغلظة أن لحيته ستحرق بالولاعة. كان هذا بعدما تصدى له رافضا مساوماته وابتزازه.
    لم أبدل كثير جهد لعصر ذاكرتي. تذكرت ذاك اليوم بعد قراءة السطور الأولى من التقرير المنحوس. كانت أمي قد كلفتني أنا العاطل المكتئب بالتوجه لأداء فاتورة الماء والكهرباء التي أصبحت هي الأخرى هما انضاف لهموم لا تنتهي تثقل كاهل البسطاء في هذه البلاد خصوصا بعد تفويتها كغيرها من مؤسسات الدولة للقادمين من وراء البحار الذين ضاعفوا أثمنة الفواتير في ظرف وجيز. أجزم قاطعا أنهم لو استطاعوا امتلاك الهواء الذي نتنفسه لجعلوا لنا عدادات على رقابنا تحصي الزفرات. وكل من تأخر عن موعد الأداء المحدد على ظهر الفاتورة أوقفوا تزويده فورا. الحمد لله على نعمة الأكسجين المجاني. وصدق من قال أن الشعب المغربي يحتل المرتبة الأولى عالميا في حمل الأثقال.
    وقفت لثلاث ساعات في الطابور الذي بدا لي بلا نهاية لأنه آخر أيام المهلة للأداء قبل إيقاف التزويد بالماء والكهرباء. أعرف أسرا عدة تخلت عن خدمات هذه الشركات الأجنبية وعادت للحياة البدائية. الإضاءة بالشموع والقناديل وجلب الماء من الآبار والسقايات العمومية.
    تعبت من الإنتظار في الطابور الطويل الذي لا تضاهيه إلا طوابير السفارات والقنصليات الأجنبية طلبا لتأشيرة الخلاص والفرار . كثيرون كانوا يمرون دون دور أو انتظار كبقية خلق الله . ينزل الواحد من سيارته يشهر بطاقة أو يتمتم لحارس الأمن الخاص بكلمات ثم يتوجه مباشرة إلى الشباك في عجرفة وكبرياء تغيظ المنتظرين دون أن يجرأ أحدهم على الاحتجاج. أشجعهم كان يتمتم بكلمات هامسة.
    حل دوري وضعت الفاتورة والمبلغ أمام الجابي الذي لا يظهر منه سوى الوجه مختفيا خلف واجهة زجاجية. دفعها إلي بتوتر مصطنع وأمرني بالانتظار,مهللا ومقدما شخصا أنيقا دخل لتوه...
    "مرحبا ...مرحبا...زيد آلحاج ...تفضل آش حب الخاطر...؟؟؟"
    غلت الدماء حينها في رأسي وبدأت يدي وشفتي ترتعشان . أغلقت ثقب شباك الأداء بيدي بعد أن دفعت الحاج بكتفي وأخذت مكاني الطبيعي. ثم أقسمت أمام الملأ بأعلى صوتي أن لا يمر أحد قبلي لأن الدور دوري. علا حينها اللغط والصخب في القاعة المكتظة احتجاجا وتضامنا معي. ازداد الهرج حين حاول الحراس جري بالقوة للخارج فتشبثت بحديدة حاجز حديدي وأنا أصرخ مطالبا بحقي. إلى أن نلته. وانصرفت مزهوا بنصري.
    كان الحدث عاديا تقع الآلاف مثله يوميا في بلاد التخلف والزبونية.
    وجدت الواقعة مدونة على الورقة مع زيادات وتلفيقات ما أنزل الله بها من سلطان. منها عبارات توحي بنقدي للنظام والدعاء والتسخط عليه , وغير ذلك مما لم أتفوه به إطلاقا .
    أحد الخبثاء من (أصحاب الحسنات) المجانيين, يبدو أنه حضر الواقعة. أو دبوس من الدبابيس الصدئة لم أنتبه له ذاك اليوم.
    وضعت الورقة من يدي المرتعشتان :" أقسم لكم بالله أن هذا كذب وفيه زيادات كثيرة."
    أعادوا تعصيب عيني بعنف وسرعة:
    "تتهمنا بالكذب يا ابن الزانية سنرى من يكذب,نحن أم أنت"
    أنا لا أنفي الواقعة. لكني لم أسب أحدا, وهذا الموقف قد يقع فيه أي إنسان كنت في حالة توتر عصبية ودافعت عن دوري دون أي شيء آخر"
    " لا بل لعنت المقدسات والدولة التي تطعمك وتسقيك!! تأكلون الغلة وتسبون الملة يا ولاد الق...." ثم خاطب أحدهم الآخر وهو يسمعني:
    "ألم أقل لك آلحاج ...أن الراقصة تتوب ولا تترك هز الكتف ...."
    حاولت جاهدا تبرير موقفي ذاك والدفاع عن نفسي ورد ما جاء في التقرير من كذب وافتراء, دون جدوى. كنت بينهم كتائه يصيح بأعلى صوته في صحراء خالية مقفرة.
    شرعوا بأسلوبهم المعتاد. العصا والجزرة,التهديد والمساومة. هكذا عهدتهم.
    "تعلم أن هذا الكلام فقط دون ما هو قادم يساوي خمس سنوات سجنا؟؟؟ تعلم عقوبة المس بالمقدسات كم تساوي؟؟؟"
    عن أي مقدس يتحدثون؟ الله هو المقدس, ورغم ذلك يسبونه هنا ويلعنونه جميعا دون استثناء. إن نسيت شيئا فلن أنسى يوم نزع كبيرهم سروالي وأنا صائم مهددا إياي أنه سينكح ربي ويفطرني بذلك. تعالى الله عما يقول الكافرون علوا كبيرا.
    علقت في أذني كلمة, ماهو قادم دون غيرها من كلماتهم . حرب أعصاب لا تنتهي. سائلت نفسي ماهو هذا القادم؟؟؟ هل علموا شيئا عن موضوع سفري؟؟؟ اللهم استر وسلم يارب. أخشى أن أكون سببا في سقوط غيري أما أنا فالأمر يبدو أنه قد قضي إلا أن يشاء الله.
    إلى هذه الدرجة كانوا يحصون حركاتي وسكناتي في كل مكان. حيثما يممت وجهي كنت أجدهم . بعض أغبيائهم ألفت وجوههم لكثرة ما أراها. في البداية كان الخوف والقلق يتفشى في داخلي وتكربني رؤيتهم. إلى أن تعودت. مرة لا أدري أي رغبة انتابتني فقررت أن ألعب مع أحدهم لعبة القط والفأر. وجدت في ذلك بعض المتعة والتسلية الممزوجة بالتشفي. أصعد الحافلة فيصعد, ما أن تتحرك وقبل ما تصلني جابية التذاكر , أطلب من السائق التوقف لإنزالي بدعوى أنني قد أخطأت الرقم . أنزل فينزل خلفي يلهث ككلب أجرب. أدخل المقهى فيدخل أشرب كأس ماء واقفا أو أدخل المرحاض. أخرج فيخرج وكأني به يريد أن يقول لي ها نحن خلفك. أحيانا كانوا يغيبون لأيام ثم لا يلبثوا أن يعودوا.
    كانوا أيضا زبناء أسخياء ومواظبون أيام العربة المدفوعة.
    أذكى أولئك الأغبياء كان إسكافيا بين عشية وضحاها احتل رأس الزقاق المؤدي إلى بيتنا . موقع استراتيجي يمكنه من مراقبة كل الإتجاهات. لم يطرده القائد كما فعل مع غيره مع سابيقه. يتقن ترقيع النعال والأحذية . فراستي لم تخطؤه من أول يوم إلى حدثني أحد العاطلين من أبناء الجيران محذرا باستغراب عن امتلاكه لهاتف آخر صيحة, وتدخينه المارلبورو وتناوله لوجبة الغذاء في مطعم أرخص وجباته لا تقل عن خمسين درهما!!
    في كل عواصم هذا الوطن العربي قتلتم فرحي.
    في كل زقاق أجد الأزلام أمامي
    أصبحت أحاذر حتى الهاتف
    حتى الحيطان وحتى الأطفال
    أقيء لهذا الأسلوب الفج
    ترى ماذا كان قائلا الشاعر مظفر النواب لو عاش بيننا؟ ماذا كان قائلا لو زار السرداب ورأى كابيلا؟؟
    كررت طلبي ورغبتي في ولوج المرحاض وزاد تعنتهم ورفضهم. يتلذذون بآلامي وأوجاعي. يتهكمون ويسخرون " ديرها في سروالك"
    زادت آلام بطني ومغصه . صرت أتلوى وأتشنج فصاح كبيرهم:
    "بدأت في مسرحياتك " متهما إياي بالتظاهر بالوجع. سكاكين حادة تمزق أحشائي.
    في لحظة, تغامزوا ربما فيما بينهم أو تلقوا إشارة, أجلسوني أرضا وظهري للحائط. وبدأت العملية مصحوبة بصراخاتهم التي يرجع صداها وتهز المكان: "افتح...افتح...افتح..."
    بدأت الفظاعة مرة أخرى . سبق وأن جربتها هنا تسمى عند من خبروها بعملية (الفريش) بتفخيم حرف الراء. لأن الضحية تفرش رجلاه بقوة وعنف حتى يصير كلاعبات الجمباز المتمرنات. كلما زاد السحب زادت آلامي وصراخي. صرت (كبركار) مفتوح عن آخره. في لحظة ما أحسست بسائل ساخن يغمرني, ينزل معى فخداي وساقي. عمت الرائحة المنتنة كل الفضاء. بدأت أتلوى, أتمرغ كديك مذبوح نصف ذبحة لم يقطع وريده كاملا. آلامي الفضيعة أنستني فعلتي اللاإرادية . شرعوا يفرون تقززا ونفورا من رائحتي. يتهكمون...ويسبون ويلعنون...
    علقت كلمات أحدهم بأذني مرة أخرى, زادت من ش**** ووساوسي...
    "ولاد الكلاب عايشين غير بالعدس وقالك باغيين يطيحو أمريكا"
    ربما رأى بأم عينه بقايا آخر وجبة تناولتها في بيتنا. لكن ما دخل أمريكا بموضوع العدس, طعام الفقراء عندنا. هل علموا بموضوع سفري؟؟؟
    زادت ش**** ووساوسي السوداوية التي صارت من زمن بعيد هي خصمي الأول. أصارعها فتصرعني في غالب الجولات...حدثني الطبيب الثرثار يوما أن مرضي يسمى الوسواس القهري...اللهم استر...اللهم استر
    لم أستطع الوقوف رغم إلحاحهم علي ومحاولتهم إرغامي. أحس وكأن العصب والغضاريف في رجلي قد مزقت تمزيقا عن آخرها. جروني من يدي كجيفة منتنة. ما الذي يحدث؟ أهو حلم وكابوس من كوابيسي المفزعة؟ حالة الذهول لا زالت تسيطر علي . كل شيء يجري وتتقلب الأمور بسرعة غريبة؟؟
    رموني في زنزانة هذه المرة ولم يعيدوني وسط الأجساد المنهوكة . مرة أخرى. العزلة .... الخوف .... العذاب... الجنون القادم ...
    هاهو الباب الحديدي الأسود الضخم ينتصب أمامي في تحد وجبروت مرة أخرى. يخاطبني مستفزا : " هيا انطحني...انطحني...انطحني..."
    تراجعت عن فكرة نطحه في آخر لحظة مستعيدا بالله من الشيطان الرجيم ومن همزاته ووسوسته.
    رجة قوية تزلزل القلوب, افتعلوها كلما فتحوا الباب أو أغلقوه . يكاد فؤادي يطير معها فزعا. يضع يده على أنفه ويمسك قطعة صابون بالأخرى, رماني بها بسرعة وصفق الباب بقوة وعنف قائلا:
    " خذ اغسل خراك..."
    سأصير أضحوكتهم من الآن فصاعدا لاشك في ذلك...
    وهو ما كان فقد صاراسمي عندهم هو( الخراي)
    اذهب بالخراي... جئني بالخراي... تكلم يا خراي...








    يتبع بحول الله. .

    [1] هذا مثل شعبي يضرب حين يتأخر شخص ما عن أداء أمر أو مهمة ما في الوقت المطلوب.ومعناه بالفصحى . أن كلب القنص لا يختار قضاء حاجته إلا حين ظهور الطريدة وبداية الصيد

  8. #8
    زيزوم فـعّـال الصورة الرمزية ابو نزار البيضاوي
    تاريخ التسجيل
    Oct 2009
    المشاركات
    155

    افتراضي رد: إعادة نشر((شذرات من أقبية الأبالسة))

    ...مغص بطني وآلام أمعائي,تزداد وتزداد وتزداد....وكأنني احتسيت سما. لم أعد أطيق. طلبت المرحاض فأخذوني, بدون مشاكل ولا تلكأ هذه المرة. لم أكد أجلس حتى أمرني المكلف بهذا الأمر برفع سروالي والوقوف :
    "حتى كتبدا الصياده عاد كيمشي السلوكي يبعر"
    حين يبدأ موعد الصيد وإمساك الطريدة يذهب السلوقي لقضاء حاجته.
    فهمت قصده وعرفت وجهتي, فازداد وجعي وحاجتي إلى إفراغ أمعائي...
    لم أترك دواء مضادا للإسهال إلا وابتلعته. حين شكوت الأمر للطبيب الثرثار حدثني أن الأمر نتيجة طبيعية للفوبيا الشديدة التي أعيشها وأنه قد ثبت علميا أن الخوف والفزع الشديد يصاحبه الإسهال والمغص الحادين و...و...و...والحل يادكتور؟؟؟
    "تخلص من السبب تتخلص وترتاح من هذا الأمر!!!"
    هكذا ببساطة اختزل لي الحل في كلمات...ثم زاد قائلا:
    "حاول أن تعيش مطمئنا ولا تخف!!!"
    ثم واصل سرد لائحة النصائح التي ستخلصني حسب دراسته و(علمه الكلامي)مما أعانيه. وأنا أتظاهر بالإنصات وأهز رأسي زاعما موافقته والاستعداد للعمل حرفيا بما يهرف به.
    مسكين هذا الرجل يبدو أنني في واد وهو في آخر. لاأخاف!!! كيف لا أخاف؟؟ والزمن زمن خوف والبلد بلد خوف!!! كيف لا أخاف ووجه كابيلا القبيح يحاصرني كلما غفوت أو حاولت ؟؟؟ كيف لا أخاف وعداداتهم تحصي أنفاسي وتخنق حركتي؟؟؟كيف لا أخاف وأبواب السجن الأخضر مشرعة تبلتع دون رحمة كتنين أسطوري هائج أو ديناصور يأبى الإنقراض؟؟؟ كيف لا أخاف والأهواء والشكوك والدسائس هي التي تصرف أمور الملايين من البشر على أرض هذا الوطن المنكوب؟؟؟
    مات الطفل الذي عهدته في داخلي أوكاد...لشد ما كنت فرحا سعيدا به. لكن الخوف والمحنة والظلم صيراني عجوزا محدودب الظهر. حطموني... أولاد الكلب. وما كدت أستعيد بعضا من توازني حتى تلقفوني من جديد . آه...آه...لو أمهلوني قليلا لأرحتهم ووفروا (جهودهم) لأناس آخرين.
    رغم كل شيء فكلما شعرت بالتضاؤل,الانهيار والمهانة دوى في داخلي صوت قوي أوعز لي أن أصبر, وأتحمل...
    مسكينة أمي ستبحث عني مرة أخرى في كل مكان, ستمزقها الحيرة والحزن والأسى والآلام...لن تنام. أكيد أنها ستفقد طعم النوم. وقد تعمى من كثرة ما ستدرفه علي من الدموع .
    طرقت أبواب المستشفيات,صارت تحفظ أسمائها عن ظهر قلب. وثلاجات حفظ الموتى , روعتها مشاهد الأجزاء الآدمية المقطعة والمحروقة التي تنتظر أهلها لأخذها من ثلاجات الطب الشرعي بمستشفى منطقة عين الشق وسط الدار البيضاء. حين غادرته أصابها الدوار وتقيأت,وغابت عن الوعي لم تفارقها الصور المروعة .
    مراكز الأمن هي الأخرى. الدار الحمراء, المعاريف ,الحي الحسني, الدائرة السابعة, التاسعة , الرابعة,لم تترك كوميساريه إلا وزارتها في رحلة البحث عني الأولى. طردها الوكيل العام للملك حين زارته للمرة الخامسة للسؤال عني شر طردة وأسمعها كلاما جارحا لم تستطع البوح لي به...لم تذق طعاما ولا شرابا ولا نوما إلى أن خرت طريحة الفراش تهدي باسمي...
    حكت لي بعد المحنة الأولى حين عدت ودموعها على خذها كشلال متذفق كيف كانوا يطاردونها في رحلة بحثها عني... زارت جمعية تزعم دفاعها عن حقوق الناس دون تمييز بينهم. وبعد تسويف وذهاب وعودة اعتذروا لها بدعوى حساسية القضية والظرفية الزمنية وانشغالهم بمشروع الإنصاف والمصالحة وجبر ضرر ضحايا الماضي!!!
    طرقت باب مرشح حزب (إسلامي) ما إن حدثته بالأمر حتى تغير لون وجهه وكاد يسقط مغشيا عليه... استغل عجزها وأميتها بعض النصابين أصحاب بدلة المحاماة السوداء فسلمته ثمن قطعة أرض . نصيبها في إرث تقاتل أشقاؤها فيما بينهم على الظفر بفرصة شرائه وضمه لأرضهم بعد ما ضلت لسنوات عدة ترفض التنازل عنها وفاء لذكرى والدها الراحل. مصائب قوم عند قوم فوائد. كان الله في عونك أيتها الغالية.
    الغرفة تفوح منها رائحة دخان السجائر الأمريكية وبعض المواد الكيماوية
    ازدادت آلام بطني وضاقت نفسي...تركوني لدقائق. ربما كان ينتظرون قدوم أحدهم أو يتطلعون إلي لقراءتي. دخل أو دخلوا لا أدري كم كانوا...
    "مرحبا بيك مرة خرى. هذا كليان قديم...احنا عزيز علينا لكليان ديالنا ...ما كنفرطوش فيه"
    (مرحبا بك مرة أخرى هذا زبون قديم ونحن نحب زبناءنا لا نفرط فيهم)
    "أخيرا وقعت في الفخ يا أبا جندل, كنت أعرف أنك ستعود مرة أخرى"
    خاطبني ساخرا بعربية الأفلام التاريخية. تحسب نفسك ذكيا... لكنك أغبى من حمار...
    أطرقت وطأطأت رأسي دون كلمة أو رد. الصمت في هذا الموطن حكمة. هكذا علمتني التجربة السابقة في مثل هذه المواقف .مجرد كلمة رد أو تعقيب واحدة تكلف الكثير الكثير الكثير...صرت أعرف متى يشتد غضبهم وأي الكلمات تزعجهم[1]
    اسمع وكن رجلا...سنبدأ معك من الأخير. وبدون مقدمات , يعني نريد معرفة نشاطك وحركتك وعلاقاتك واتصالاتك منذ خرجت من هنا آخر مرة وإياك أن تلعب فأنت تعرفنا ونعرفك...
    صمتت برهة لأستجمع شتات أفكاري...
    "أنتم تعلمون عني كل شيء, ومنذ خرجت ورجالكم على مقربة مني و(الحاج) ظللت على اتصل دائم به كما أمرتموني وهو يعرف عني كل شيء...و...
    "أنت كذاب...كذاب...كذاب ومنافق...وولد زنى....
    "أقسم بالله ال...." لم أكد أكمل قسمي حتى جاءتني الصفعات المتتالية والشتائم القبيحة النابية...
    لا تقسم...لاتقسم...أنت لاتعرف الله حتى تقسم به يا منافق. الذي يعرف الله لا يكون خائنا...وأنت خائن , خنت العهد وخنت الأمانة والوطن...!!!
    كلمات كبيرة. ومن يسمع أسطوانتهم المشروخة تلك يحسب أنهم يهيمون في حب هذا الوطن.
    "أنا أحب الوطن وأسرتي أسرة وطنية ووالدي كان..."
    قاطعني كبيرهم بكلام جارح في حق والدي ثم تابع :
    "باراكا من الشعر والتمثيل. قديمه هاذي "
    أمرهم ففكوا عصابة عيني بعد أن حولوني إلى زاوية الغرفة ووجهي للحائط ,وحذروني من الالتفات حتى لا أرى وجوههم القبيحة. ساءلت نفسي: ترى لماذا يتحرزون حتى لا يراهم الناس أيخافون لهذه الدرجة؟؟؟
    مم يخافون؟ على العموم أنا أيضا لا أرغب في رؤية وجوههم القبيحة. يكفيني ما أكابده بسبب وجه كابيلا وزبانية العذاب الآخرين ممن تنحصر مهماتهم في تقديم وجبات الطعام ووجبات العذاب.
    امتدت يد من خلفي ووضعت ورقة على الطاولة أمامي.
    مسحتها بسرعة بعيني . تقرير غبي كتبه أمي جاهل. ركاكة في التعبير وأغلاط إملائية لا يرتكبها تلاميذ الثالث ابتدائي حتى. ومن يدري فلعله كتبه مقدم حي. كثيرون ممن مروا من هناك أو جمعني بهم السجن لاحقا, ساقتهم وشايات المقدمين التي أضحت في هذا الزمن الغريب وفي بلد الغرائب هذا ترهن مصائر العباد وتعتمد عندهم أكثر من وحي السماء دون أدنى تبين أو تمحيص وألقت بهم خلف الشمس. وويل لمن أشارت له أصابع مقدم أو شيخ. من هنا تبدأ السلسلة!!! صارت لهم قيمة وشأن أكثر بكثير مما كانت. بعد إعلان الحرب على( الإرهاب) المزعوم زودوا بهواتف محمولة خاصة وباقة من أرقام رؤوس خفافيش الظلام, والويل كل الويل لمن غضب عليه أحد هؤلاء المنبوذين. حتى أن بعضهم وجدها فرصة للابتزاز ومصير من يرفض يكون تقريرا كاذبا يلقيه داخل القبر ,كما فعل بأحد من التقيتهم داخله والذي أقسم له مقدم الحي بالأيمان المغلظة أن لحيته ستحرق بالولاعة. كان هذا بعدما تصدى له رافضا مساوماته وابتزازه.
    لم أبدل كثير جهد لعصر ذاكرتي. تذكرت ذاك اليوم بعد قراءة السطور الأولى من التقرير المنحوس. كانت أمي قد كلفتني أنا العاطل المكتئب بالتوجه لأداء فاتورة الماء والكهرباء التي أصبحت هي الأخرى هما انضاف لهموم لا تنتهي تثقل كاهل البسطاء في هذه البلاد خصوصا بعد تفويتها كغيرها من مؤسسات الدولة للقادمين من وراء البحار الذين ضاعفوا أثمنة الفواتير في ظرف وجيز. أجزم قاطعا أنهم لو استطاعوا امتلاك الهواء الذي نتنفسه لجعلوا لنا عدادات على رقابنا تحصي الزفرات. وكل من تأخر عن موعد الأداء المحدد على ظهر الفاتورة أوقفوا تزويده فورا. الحمد لله على نعمة الأكسجين المجاني. وصدق من قال أن الشعب المغربي يحتل المرتبة الأولى عالميا في حمل الأثقال.
    وقفت لثلاث ساعات في الطابور الذي بدا لي بلا نهاية لأنه آخر أيام المهلة للأداء قبل إيقاف التزويد بالماء والكهرباء. أعرف أسرا عدة تخلت عن خدمات هذه الشركات الأجنبية وعادت للحياة البدائية. الإضاءة بالشموع والقناديل وجلب الماء من الآبار والسقايات العمومية.
    تعبت من الإنتظار في الطابور الطويل الذي لا تضاهيه إلا طوابير السفارات والقنصليات الأجنبية طلبا لتأشيرة الخلاص والفرار . كثيرون كانوا يمرون دون دور أو انتظار كبقية خلق الله . ينزل الواحد من سيارته يشهر بطاقة أو يتمتم لحارس الأمن الخاص بكلمات ثم يتوجه مباشرة إلى الشباك في عجرفة وكبرياء تغيظ المنتظرين دون أن يجرأ أحدهم على الاحتجاج. أشجعهم كان يتمتم بكلمات هامسة.
    حل دوري وضعت الفاتورة والمبلغ أمام الجابي الذي لا يظهر منه سوى الوجه مختفيا خلف واجهة زجاجية. دفعها إلي بتوتر مصطنع وأمرني بالانتظار,مهللا ومقدما شخصا أنيقا دخل لتوه...
    "مرحبا ...مرحبا...زيد آلحاج ...تفضل آش حب الخاطر...؟؟؟"
    غلت الدماء حينها في رأسي وبدأت يدي وشفتي ترتعشان . أغلقت ثقب شباك الأداء بيدي بعد أن دفعت الحاج بكتفي وأخذت مكاني الطبيعي. ثم أقسمت أمام الملأ بأعلى صوتي أن لا يمر أحد قبلي لأن الدور دوري. علا حينها اللغط والصخب في القاعة المكتظة احتجاجا وتضامنا معي. ازداد الهرج حين حاول الحراس جري بالقوة للخارج فتشبثت بحديدة حاجز حديدي وأنا أصرخ مطالبا بحقي. إلى أن نلته. وانصرفت مزهوا بنصري.
    كان الحدث عاديا تقع الآلاف مثله يوميا في بلاد التخلف والزبونية.
    وجدت الواقعة مدونة على الورقة مع زيادات وتلفيقات ما أنزل الله بها من سلطان. منها عبارات توحي بنقدي للنظام والدعاء والتسخط عليه , وغير ذلك مما لم أتفوه به إطلاقا .
    أحد الخبثاء من (أصحاب الحسنات) المجانيين, يبدو أنه حضر الواقعة. أو دبوس من الدبابيس الصدئة لم أنتبه له ذاك اليوم.
    وضعت الورقة من يدي المرتعشتان :" أقسم لكم بالله أن هذا كذب وفيه زيادات كثيرة."
    أعادوا تعصيب عيني بعنف وسرعة:
    "تتهمنا بالكذب يا ابن الزانية سنرى من يكذب,نحن أم أنت"
    أنا لا أنفي الواقعة. لكني لم أسب أحدا, وهذا الموقف قد يقع فيه أي إنسان كنت في حالة توتر عصبية ودافعت عن دوري دون أي شيء آخر"
    " لا بل لعنت المقدسات والدولة التي تطعمك وتسقيك!! تأكلون الغلة وتسبون الملة يا ولاد الق...." ثم خاطب أحدهم الآخر وهو يسمعني:
    "ألم أقل لك آلحاج ...أن الراقصة تتوب ولا تترك هز الكتف ...."
    حاولت جاهدا تبرير موقفي ذاك والدفاع عن نفسي ورد ما جاء في التقرير من كذب وافتراء, دون جدوى. كنت بينهم كتائه يصيح بأعلى صوته في صحراء خالية مقفرة.
    شرعوا بأسلوبهم المعتاد. العصا والجزرة,التهديد والمساومة. هكذا عهدتهم.
    "تعلم أن هذا الكلام فقط دون ما هو قادم يساوي خمس سنوات سجنا؟؟؟ تعلم عقوبة المس بالمقدسات كم تساوي؟؟؟"
    عن أي مقدس يتحدثون؟ الله هو المقدس, ورغم ذلك يسبونه هنا ويلعنونه جميعا دون استثناء. إن نسيت شيئا فلن أنسى يوم نزع كبيرهم سروالي وأنا صائم مهددا إياي أنه سينكح ربي ويفطرني بذلك. تعالى الله عما يقول الكافرون علوا كبيرا.
    علقت في أذني كلمة, ماهو قادم دون غيرها من كلماتهم . حرب أعصاب لا تنتهي. سائلت نفسي ماهو هذا القادم؟؟؟ هل علموا شيئا عن موضوع سفري؟؟؟ اللهم استر وسلم يارب. أخشى أن أكون سببا في سقوط غيري أما أنا فالأمر يبدو أنه قد قضي إلا أن يشاء الله.
    إلى هذه الدرجة كانوا يحصون حركاتي وسكناتي في كل مكان. حيثما يممت وجهي كنت أجدهم . بعض أغبيائهم ألفت وجوههم لكثرة ما أراها. في البداية كان الخوف والقلق يتفشى في داخلي وتكربني رؤيتهم. إلى أن تعودت. مرة لا أدري أي رغبة انتابتني فقررت أن ألعب مع أحدهم لعبة القط والفأر. وجدت في ذلك بعض المتعة والتسلية الممزوجة بالتشفي. أصعد الحافلة فيصعد, ما أن تتحرك وقبل ما تصلني جابية التذاكر , أطلب من السائق التوقف لإنزالي بدعوى أنني قد أخطأت الرقم . أنزل فينزل خلفي يلهث ككلب أجرب. أدخل المقهى فيدخل أشرب كأس ماء واقفا أو أدخل المرحاض. أخرج فيخرج وكأني به يريد أن يقول لي ها نحن خلفك. أحيانا كانوا يغيبون لأيام ثم لا يلبثوا أن يعودوا.
    كانوا أيضا زبناء أسخياء ومواظبون أيام العربة المدفوعة.
    أذكى أولئك الأغبياء كان إسكافيا بين عشية وضحاها احتل رأس الزقاق المؤدي إلى بيتنا . موقع استراتيجي يمكنه من مراقبة كل الإتجاهات. لم يطرده القائد كما فعل مع غيره مع سابيقه. يتقن ترقيع النعال والأحذية . فراستي لم تخطؤه من أول يوم إلى حدثني أحد العاطلين من أبناء الجيران محذرا باستغراب عن امتلاكه لهاتف آخر صيحة, وتدخينه المارلبورو وتناوله لوجبة الغذاء في مطعم أرخص وجباته لا تقل عن خمسين درهما!!
    في كل عواصم هذا الوطن العربي قتلتم فرحي.
    في كل زقاق أجد الأزلام أمامي
    أصبحت أحاذر حتى الهاتف
    حتى الحيطان وحتى الأطفال
    أقيء لهذا الأسلوب الفج
    ترى ماذا كان قائلا الشاعر مظفر النواب لو عاش بيننا؟ ماذا كان قائلا لو زار السرداب ورأى كابيلا؟؟
    كررت طلبي ورغبتي في ولوج المرحاض وزاد تعنتهم ورفضهم. يتلذذون بآلامي وأوجاعي. يتهكمون ويسخرون " ديرها في سروالك"
    زادت آلام بطني ومغصه . صرت أتلوى وأتشنج فصاح كبيرهم:
    "بدأت في مسرحياتك " متهما إياي بالتظاهر بالوجع. سكاكين حادة تمزق أحشائي.
    في لحظة, تغامزوا ربما فيما بينهم أو تلقوا إشارة, أجلسوني أرضا وظهري للحائط. وبدأت العملية مصحوبة بصراخاتهم التي يرجع صداها وتهز المكان: "افتح...افتح...افتح..."
    بدأت الفظاعة مرة أخرى . سبق وأن جربتها هنا تسمى عند من خبروها بعملية (الفريش) بتفخيم حرف الراء. لأن الضحية تفرش رجلاه بقوة وعنف حتى يصير كلاعبات الجمباز المتمرنات. كلما زاد السحب زادت آلامي وصراخي. صرت (كبركار) مفتوح عن آخره. في لحظة ما أحسست بسائل ساخن يغمرني, ينزل معى فخداي وساقي. عمت الرائحة المنتنة كل الفضاء. بدأت أتلوى, أتمرغ كديك مذبوح نصف ذبحة لم يقطع وريده كاملا. آلامي الفضيعة أنستني فعلتي اللاإرادية . شرعوا يفرون تقززا ونفورا من رائحتي. يتهكمون...ويسبون ويلعنون...
    علقت كلمات أحدهم بأذني مرة أخرى, زادت من ش**** ووساوسي...
    "ولاد الكلاب عايشين غير بالعدس وقالك باغيين يطيحو أمريكا"
    ربما رأى بأم عينه بقايا آخر وجبة تناولتها في بيتنا. لكن ما دخل أمريكا بموضوع العدس, طعام الفقراء عندنا. هل علموا بموضوع سفري؟؟؟
    زادت ش**** ووساوسي السوداوية التي صارت من زمن بعيد هي خصمي الأول. أصارعها فتصرعني في غالب الجولات...حدثني الطبيب الثرثار يوما أن مرضي يسمى الوسواس القهري...اللهم استر...اللهم استر
    لم أستطع الوقوف رغم إلحاحهم علي ومحاولتهم إرغامي. أحس وكأن العصب والغضاريف في رجلي قد مزقت تمزيقا عن آخرها. جروني من يدي كجيفة منتنة. ما الذي يحدث؟ أهو حلم وكابوس من كوابيسي المفزعة؟ حالة الذهول لا زالت تسيطر علي . كل شيء يجري وتتقلب الأمور بسرعة غريبة؟؟
    رموني في زنزانة هذه المرة ولم يعيدوني وسط الأجساد المنهوكة . مرة أخرى. العزلة .... الخوف .... العذاب... الجنون القادم ...
    هاهو الباب الحديدي الأسود الضخم ينتصب أمامي في تحد وجبروت مرة أخرى. يخاطبني مستفزا : " هيا انطحني...انطحني...انطحني..."
    تراجعت عن فكرة نطحه في آخر لحظة مستعيدا بالله من الشيطان الرجيم ومن همزاته ووسوسته.
    رجة قوية تزلزل القلوب, افتعلوها كلما فتحوا الباب أو أغلقوه . يكاد فؤادي يطير معها فزعا. يضع يده على أنفه ويمسك قطعة صابون بالأخرى, رماني بها بسرعة وصفق الباب بقوة وعنف قائلا:
    " خذ اغسل خراك..."
    سأصير أضحوكتهم من الآن فصاعدا لاشك في ذلك...
    وهو ما كان فقد صاراسمي عندهم هو( الخراي)
    اذهب بالخراي... جئني بالخراي... تكلم يا خراي...








    يتبع بحول الله. .

    [1] هذا مثل شعبي يضرب حين يتأخر شخص ما عن أداء أمر أو مهمة ما في الوقت المطلوب.ومعناه بالفصحى . أن كلب القنص لا يختار قضاء حاجته إلا حين ظهور الطريدة وبداية الصيد

  9. #9
    زيزوم فـعّـال الصورة الرمزية ابو نزار البيضاوي
    تاريخ التسجيل
    Oct 2009
    المشاركات
    155

    افتراضي رد: إعادة نشر((شذرات من أقبية الأبالسة))

    7

    الليلة الثالثة... ليلة (الشيفون) بامتياز. استفقت من غيبوبتي لأجدني ملقى على قفاي كسلحفات رماها موج البحر في اليابسة وعجزت عن العودة. أطرافي مخدرة بالكاد أحركها, تحسست أنفي النازف المتورم. نوبة سعال رهيب صارت تنتابني , أبصق بعدها بقع الدم القاني. وألم فضيع أحسه في حنجرتي وكأن شفرات حلاقة حادة علقت بها. صرت أحمل هم السعال أكثر من هم الجلوس على المرحاض لقضاء حاجتي بعدما(فرشوني) بسحب رجلي اليمنى لأقصى اليمين واليسرى لأقصى الشمال خلال حفلة الليلة الفائتة. وكأن أسياخ حديد تخترق كامل بدني المثخن. ثياب نومي المبتلة بالكاد أصبحت تستر عورتي . حاولت جهدي مقاومتهم كي لا ينزعوا سروالي الذي تمزق , ويا ليتني مافعلت . بعد محاولة المقاومة الفاشلة تلك لم تعد الأصفاد تفارق معصمي خلف ظهري بعد ما كنت على الأقل أقي بهما بعض لكماتهم النازلة على وجهي بعشوائية بالغة.
    مبتلا من أخمص قدمي إلى شعر رأسي, اختلطت على أنفي الروائح, رائحة (الشيفون) العفن الكريهة, ورائحة البول العطنة. خمنت, ربما فعلها الكلب كابيلا صاحب الوجه البشع بشاعة المكان وأنا في غيبوبتي. فقد كنت علمت من بعض إخوة المحنة أن إحدى هوايته المتعددة المفضلة عنده هي إفراغ متانته المملوءة جعة وخمرا على أجساد الضحايا ووجوههم خاصة.
    أحمد الله على كل حال. لم يفعلوها بي أمام عيون أفراد أسرتي وبحضورهم كما فعلوها بميمون البركاني في غرفة نومه حين احتج على ترهيب أبنائه ليلا والدخول على زوجه وهي بلباس النوم فقط . وطالب بإذن الوكيل العام لتفتيش البيت. المسكين ربما صدق كلام التلفزيون وبراحي ** العهد الجديد} وحسب أن ذاك الزمن قد ولى ولن يعود كما يروجون. وأن زوار الفجر وخفافيش الظلام يعترفون بشيء اسمه القانون. كلما التقيته في ساحة السجن خاطبته مازحا مذكرا إياه بالواقعة. {واقعة التبول عليه أمام أعين زوجته وأبنائه}
    "هل تظن نفسك في السويد يا ميمون" فكان يبتسم بألم .
    بل أكثر وأخطر من هذا ماحدثني به لحظة مداهمة بيته وبعد التبول عليه. أيقظوا شقيقه وشقيقته الصغار وهما من ذوي الإحتياجات الخاصة {الصنف المنغولي} كان المسكين يعيلهما فانهالوا عليهما ضربا بكل قوة. لم يسلم من شرهم أحد في هذه البلاد في هذه الحرب المستعرة بالوكالة. أقسموا له قائلين
    " والله إن لم تدلنا على مكان تواجد صديقك فلان لنقتلنهما"
    كانا يصرخان في هلع ورعب شديد. وتبولا من شدة الرعب حتى ابتلت ملابسهما بذلك. نزلت عليهما الأيدي والأرجل الخشنة بكل قوة ولم تكف حتى وافق على كشف مكان تواجد صاحبه الذي نال رفقته حكما بأربعين سنة قسموها بينهما سواسية .
    زحفت على بطني بمساعدة يدي كدودة مبعوجة الذيل داستها قدم آدمية غير مكترثة صوب صنبور الماء. صدق الخبيث ووفى بما توعدني به بالأمس حين قال: " مازال ما شفت والو أوليدي سير ارتاح وفكر مزيان مع راسك. وتعاون معانا راه من مصلحتك..."
    (إنك لم تر بعد شيئا يا ولدي . اذهب الآن لترتاح وفكر جيدا وكن متعاونا فإن ذلك من مصلحتك )
    صدق الخبيث هذا مما لم أره وأذق طعمه من قبل . لكني أكيد قرأت أو سمعت عنه ممن زاروا المكان من قبل أو زاروا غيره من المراكز السرية والعلنية التي تنتشر على طول هذا الوطن أكثر من المستشفيات.
    الليلة الثالثة... ليلة (الشيفون) بامتياز. وما أدراك ما الشيفون. أدخل قبري ولا أنساها. اللعنة ألف مرة على من اخترع هذه الوسيلة البشعة . لو عرفته لبصقت على قبره وربما تبولت عليه. بعدما علقوني من رجلي ومعصمي وسط عمود حديدي أفقي على طريقة الديك المشوي, تدلى رأسي للخلف لتسهل العملية. شرعوا في الضغط على أنفي بملقط خاص لم أتبين شكله مما كان يضطرني لفتح فمي, حينها يدخلون خرقة الموت المبلولة بالسائل الغريب ويعصرونها في فمي. غلبت رائحة مادة {الكريزين} القوية على رائحتي الكلور ومياه المجاري وربما أشياء أخرى لم أعرفها.
    وأنا صغير أذكر أنني كنت أفر من البيت حين تستعمل الوالدة {الكريزين} في تنظيف المرحاض هربا من رائحته الخانقة. وها أنا ذا أعبه عبا رغما عن أنفي. كنت أظنه قد انقرض من الأسواق وتوقف إنتاجه بعدما هزمته منتوجات التنظيف الجديدة زاهية الألوان والتعليب , ولم يصمد أمام وصلاتها الإشهارية المتنوعة التي لا تتوقف على التلفزيون. من المؤكد أن القوم لا زالوا يحتفظون بمخزون هائل من هذا {الكريزين} من عهد يزعمون أنه ولى بلا رجعة. تبدلت بعض الوجوه والشعارات ولم تتبدل الوسائل. تبا لهم...وهذه الوسيلة بالذات أزهقت أرواح العديد من المواطنين في مخافر الشرطة والمعتقلات...
    انذلق السطل فأمر أحدهم بملئه من جديد. تمنيت لو تطول مدة غيابه حتى أسترجع بعضا من أنفاسي . لكن الخبيث عاد في رمشة عين, وكأن الوصفة الرهيبة جاهزة ولا تحتاج كبير عناء لتحضيرها. لعلها بئر مملوءة أو خزانات ضخمة , هكذا خلتها حينئذ...
    تمنيت الموت...عيني تجحضان حتى كنت أظنهما قد غادرتا محجريهما... السائل يخرج من أنفي ...رأسي تنفجر...حين يحسون باختناقي الشديد وقرب دنو أجلي كانوا يوقفون العملية للحظات...
    كنت أغيب عن الوعي فتوقظني الصفعات القوية والمياه الباردة على وجهي...وربما جعة كابيلا ورفاقه المخزنة في مثانته ...
    رفعت سبابته كما أمروني إذا رغبت في القول:
    "ملي تبغي تكلم هز صبعك"
    أوقفوا العملية "قووول ...قوووول ...بسرعة قوووول...."
    "مهلا عليه أريحوه يا كلاب...أتركوه يسترجع أنفاسه...أنا أعرفه راجل ونصف" هكذا صاح فيهم أحد الممثلين. ثم توجه إلي يمسح الزبد الخارج من فمي وهو يردد " مالك على هاد التكرفيص أوليدي من الصباح قول لهم فين هو صاحبك خ وسير ارتاح مع راسك . ياك هو صاحبك من الروح للروح مايمكنش يغبر بلا ما يقول لك فين غادي؟؟؟!!! "
    أخذت فرصة لأسترجع بعضا من أنفاسي. خلتهم فرحين يفركون أيديهم مبتسمين يتغامزون علي. ألحوا علي مرة أخرى فنهرهم الممثل الغبي متظاهرا بالتعاطف معي والإشفاق لحالي " دعوه يرتاح قليلا" قاطعته حينها " قتلوني وريحوني والله ماعارف شي حاجه عليه "
    كنت طبعا كاذبا في قسمي لأني أعلم علم اليقين أن الأمر لن يتوقف عند معرفتهم أين ذهب سيكون اعترافي ذاك مجرد رأس الخيط وبداية السلسلة
    حرف الألف يتبعه الباء ثم التاء ثم الثاء ...وهكذا. وإلا فلو كان الأمر يتوقف هنا لقلت لهم وأرحت نفسي . تبا لهم فلأصبر والله معي.
    ازداد غيظهم وصراخهم وحنقهم بعد جوابي , فضاعفوا لي العذاب. آخر ما أذكره من كلامهم قبل أن أغيب عن الوعي هو :
    " واش احنا قتاله باغينا نقتلوك واش احنا مجرمين أولد الق حيد لمه السروال...حيد لمه السروال..."
    هل نحن قتلة مجرمون حتى تطلب منا قتلك يا ابن العاهرة انزع سرواله...

    الليلة الثالثة : وما أدراك ما الليلة الثالثة...صوت جلبة وضوضاء تكسر سكون الممر. زحفت صوب البوابة الضخمة. غريب أمر المكان, كل الحواس تكاد أن تتعطل هناك وتتبلد ماعدا حاسة السمع من شدة الخوف يصبح المرء أسمع من فرس.
    وضعت خدي على الأرض بمحادات أسفل البوابة السوداء حيث يتسرب خيط شعاعي ضوئي خافت, علي أسمع بعض ما يجري .
    ضحية جديدة تساق نحو المسلخ, بالكاد يجر قدماه. تمتمت له بالدعاء.
    عم الصمت الرهيب المكان لبعض الوقت, قبل أن يصلني صوت كبيرهم في لكنته الفاسية الركيكة..."قووول...قووول...قووول...
    يجيبهم الضحية في إصرار غريب بصوت فيه حشرجة وبحة :
    "والله ما نقول !!! والله مانقول!!! "
    قووووول أولد الق.....قووووول أحسن لك...قووووووول......"
    يجيبهم في تحد " والله مانقوووول....والق....هي أمك...أنت هو ولد الق..
    وقف شعر رأسي وساد السكون الرهيب مرة أخرى. ربما يعدون العدة لكسر هذا التحدي الغريب الذي لا يقدم عليه هنا إلا مجنون فقد عقله أو إنسان من غير طينتنا .
    بعد لحظات دوى صراخ المسكين. رجع صداه هز هدوء الليل . وكأن جلده يسلخ عن لحمه. كدت أخر هلعا, تقطعت النياط في قلبي ألما وحزنا وخوفا. في حياتي لم أسمع كتلك الصرخات التي لا تزال تدوي في أذني ليومي هذا مساهمة بدورها في كوابيسي التي لاتنتهي منذ غادرت المكان.
    مرة أخرى. تمنيت الموت وراودتني فكرة الإنتحار الشيطانية. قمة العذاب أن تسمع استغاثات المعذبين وصرخاتهم الرهيبة وأنت لا تملك لهم شيئا. قد تفوق هذه الوسيلة في التعذيب بالسماع,الطيارة والصعق والشيفون نفسه...أعتذر...لا...لا...إلا الشيفون...إلا الشيفون...
    خلتهم ينزعون أظافره أو يقطعون جهازه التناسلي بشفرات حلاقة كما فعلوا مع بعض من سلمتهم لهم أمريكا من غير المغاربة لانتزاع اعترافات منهم بالوكالة عنها.
    توالى صراخه وتعالى,وازداد إصراره العجيب على اللاقول ...وازداد قلبي خفقانا وجسدي ارتعاشا.

    انفجرت في نوبة بكاء داخلي مرير. ترى أي قول يريدونه قوله؟؟؟
    أهو شهادة على مكذوبة وسيناريو مصطنع على نفسه يريحه من عذاب مؤقت ويطوح به في غيابات الجب العميق حيث يفني زهرة عمره وشبابه. يصارع العذاب والموت البطيء.؟؟؟!!!
    ترى لم كل هذا وأي بشر هؤلاء؟؟ ألهم أسر, وأطفال؟؟ هل يداعبونهم؟؟
    أيعيشون بيننا ويأكلون ويشربون ويمشون في الأسواق ويركبون الحافلات وينظرون في وجوه الناس كما نفعل ويفعل بنو البشر كلهم؟؟؟
    آه...آه...آه...لو أني لي بهم قوة. تخيلتني أصفهم فأجز رؤوسهم واحدا واحدا... أو أرمي بهم من قمة جبل شاهق . أو أرمي بهم في قعر فرن ملتهب...استعذت بالله من الشيطان الرجيم. بعد ما كنت أتردد كثيرا قبل قتل صرصار أو طرد قط ها أنذا قد سكنني شيطان الإنتقام والحقد. هم السبب, ومن يمر من هناك ولا يسكنه شيطان الغل والحقد والإنتقام؟؟؟!!
    إنه مصنع كبير لتفريخ وحضانة الضغينة بامتياز...!!!
    لاأشك في أنهم سيجنون في يوم قريب, ما يستثمرونه هذه الأيام في هذه المصانع وما ينتجونه. حينها لن ينفعهم الندم.
    أسائل نفسي باستمرار. كيف برأ من هذا بعض ضحايا الماضي ممن سمعناهم مرارا يرددون أنهم عفوا وصفحوا. بل أكثر من هذا صافحوا جلاديهم أمام العدسات المرتقبة لالتقاط حميمية اللحظة الصطنعة ربما.
    أتستطيع حفنة مال أن تطمس فطرة خلقها الله فينا. أم هو كلام ضعيف عاجز انطبق عليه مثل القط الذي لم يتمكن من بلوغ قطعة لحم فقال أنها منتننه.
    أجاهد نفسي ليومي هذا لأقتل الشيطان الكامن في داخلي فيأبى...أكاد أقضي عليه بالأمل واستحضار أحاديث وآيات الصفح. يترنح ثم يعود بعودة وجوههم التي لا تكاد تفارقني. تذر ملحا على جراحاتي التي تأبى الإندمال.
    أيقظتني من تساؤلاتي صرخات المسكين مرة أخرى. رسمت له هو الآخر بورتريها سريعا في مخيلتي معتمدا في ذلك لكنته السوسية وصلابته وتحديه الناذر....نحيل ضعيف البنية الجسم. عيناه واسعتان غائرتان. قصير القامة فاحم الشعر...
    خفتت الأصوات مرة أخرى فشحذت سمعي وأجهدت نفسي أكثر لسماع بعض ما يجري."سوريا...العراق...الموصل...أبو جابر...أبو ضحى...أبو فلان ...أبو علان...الإيميل...الباسبور...
    فهمت الموضوع مما وصلني بصعوبة من كلماتهم المتقطعة . كلنا في الهوى سواء يا صاحبي السجن. ضحية أخرى ممن ابتلعهم أخدود الحرب بالوكالة, ودمغتهم مقولة وشعار هولاكو الزمان " معي أو مع الإرهاب"
    جلبة وضوضاء تقترب مني هذه المرة في الممر. أعادوا المسكين محمولا أو مجرورا, رموه في زنزانته, سمعت جسده يتهاوى محدثا دويا وهو يرتطم بالأرض. أغلقوا الباب بقوة كالعادة, عادوا يلهثون ...يسبون...ويلعنون... انغمست في حزني وآلامي وبكائي المرير. ما أبشع الإحساس بالضعف( والحقرة) وكزني شيطان الإنتقام من جديد. فسرحت بخيالي بعيدا...قطعت رؤوسهم...سملت عيونهم...
    لم أذق طعم النوم مذ ولجت المكان. لا أدري أهي الصدفة التي رمت بي في زنزانة تجاور غرفة التحقيق,أم هو سبق إصرار منهم وترصد. ارتفع صوت المكبرات. رجع صدى المكان يزيد صوت المغني قوة. تكاد ترج الجدران, وسيلة تعذيب رهيبة من نوع خاص, شعارها , ممنوع النوم في هذا المكان. ليلة أخرى من ليالي السهر والعذاب. ربما يشربون نخب (النصر) في هذه اللحظة على الإيقاعات الصاخبة. رائحة الخمور لا تبارح أفواه (حجاج العهد الجديد) هي لحظات استراحة ربما. قبل أن تدور رحى العذاب من جديد...
    حاولت جاهدا ربط أطراف الخيوط التي تركوها لي مشبكة في جلسات العذاب الأخيرة. لحد الساعة لم يطرحوا مسألة سفري. مجرد رموز وكلمات وألغاز توحي لي بذلك. على العموم ليس لي ما أخسره. ما وقع قد وقع وقدر الله وما شاء فعل. ولن يصيبني إلا ما كتبه الله لي في اللوح المحفوظ.
    صدق حدسي هذه المرة... هما ضحيتان...صغيرا السن...يسحان الدمع الغزير المصحوب بالترجي والإستغاثة : "الله يرحم الوالدين آلحاااج ..."
    "قلت لك يا ولد الق...أنا ما عندي والدين...أنا ولد الحرام لقوني مرمي قدام جامع ...أنا أبو جهل...أنا أبو لهب...ههههه يقهقه بصوت جهوري.
    يزيد بكاؤهما وخوفهما..." الله يخلي ليك لوليدات آلحاج...لوليدات آلحاج"
    يصرخ فيهم أبوجهل اللقيط : " شكون فيكم الأمير...شكون الأمير...؟؟؟ "
    يقسمان بأغلظ الأيمان أنهما لا يعرفان شيئا...أظن أن الطاحونة لم تدر بعد. أبدل بالغ الجهد لأسمع ما يدور.
    " يا لاه اللي ماشي أمير يحيد سروال الأمير"
    (من ليس بالأمير فلينزع سروال الأمير)... يصمتان... فتدوي اللطمات واللكمات والصفعات وأوامر اللقيط أبو لهب بصوته المرعب المدوي :
    "حيد ليه السروال آولد القح... ( "انزع سرواله يا ابن العاهرة ")
    يسحان الدمع غزيرا ويشرعان في نزع سروال بعضهما البعض على تشجيعات وسخرية المجرمين, للبراءة من الإمارة المزعومة...تتعالى عبارات التشجيع والإستهزاء والتشفي...
    "هاذي هي دار الحق, من يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره " استعارة إبليسية خبيثة لآية عظيمة أضحت كاللازمة تردد على مسامع كل من ساقه القدر إلى المكان القذر.
    دارت الرحى...تعالت الصرخات...اختلطت الأصوات...وامتزجت... صوت المغني يجلجل المكان...زيديني عشقا زيديني...
    زيدوه ألما زيدوه. حتى يقر لأمه...
    تحسست خصيتاي...ألم فظيع يسري فيهما. أفزعني المنظر حين كشفت,وكأن كتيبة نحل هاجمت المكان. جذبهما الخبيث بقوة. شعرت أن روحي ستزهق منهما, قال الخبيث: "من الآن فصاعدا ليس لك ما تفعله بهما. انتهت مدة صلاحيتهما ووظيفتهما. تعرف لماذا؟؟؟ صمتت ولم أجب,لأنك لن تر امرأة بعد اليوم . صل على نفسك صلاة الجنازة...سنرسلك حيث تغرس شجرة وتنتظر ثلاثين سنة لتستظل بظلها..
    قهقهوا جميعهم غير مكترثين بصراخي وآلامي.
    صورة والدتي الغالية ترتسم أمام ناظري ولا تكاد تفارقني. أكاد أجن حين أذكرها. بدلت جهدا كبيرا لإقناعها بالسفر صوب بلاد الرافدين , كنت كلما ظهر إصدار مرئي جديد للمجاهدين هناك دعوتها لغرفتي وعرضته أمامها للمشاهدة وكنت أعمل عمل المترجم والشارح . بكت مرات عدة لصور الأطفال الممزقة بقذائف الطائرات وقصص النساء المغتصبات. لم أزل بها حتى نطقت يوما موافقة على سفري مبررة امتناعها السابق بسبب خوفها من الأسر ومعانات غوانتانامو وأبو غريب .
    آه لو تعلمين أيتها الغالية عن (الشيفون)...وما أدراك ما الشيفون...تبا لتلك الخرقة العفنة ...تبا لها ولمن اخترعها...
    لهم غونتاناموهاتهم وأبو غريباتهم... ولنا الحبس الأخضر بمدينة تمارة الصغيرة, حيث يعشعش الموت...ولنا الشيفون. مهما ابتكروا فلن يصلوا لمثل هذه الطريقة المغربية الصرفة. وإن وصلوا, فمن أين لهم بالخليط البشع؟؟؟ من أين لهم بسائل الكريزين العجيب ؟؟؟ إلا أن يستوردوه منا في إطار هذا التعاون والتحالف الدولي على محاربة الإرهاب.
    قالت لي المسكينة أن أسمع بموتك أهون علي من أن أسمع أنهم قد اعتقلوك... كررتها علي مرارا. هكذا هي الأم دائما.
    سرحت بخيالي بعيدا...بعيدا...بعيدا... سألت نفسي السؤال الملح الذي لم يفارقني. لماذا نتجشم المخاطر ونشد الرحال لآلاف الأميال لقتال الغزاة الصليبيين ونترك أذنابهم وحماتهم في عقر ديارنا يعيثون فسادا وإفسادا.
    شعاع شمس يوم جديد يتسرب من كوة الزنزانة الكئيبة ...هدأت الطاحونة إلى حين...زئير أسد هرم يأتي من بعيد و كأني به يحتج على ما يجري بجواره في زمن لا بواكي لحمزة فيه...إنها تمارة...إنها البشاعة...زرت حديقة حيوناتها وأنا صغير في رحلة مدرسية...وها أنذا أزور حديقة حيواناتها الخلفية في عز شبابي...لكنها حيوانات من صنف آخر!!!
    وقبل أن ينهار
    زمجر الجدار
    كم من أسد سجانه حمار
    مع اعتذاري للحمير


    يتبع بحول الله. .
    </EM>

  10. #10
    زيزوم فـعّـال الصورة الرمزية ابو نزار البيضاوي
    تاريخ التسجيل
    Oct 2009
    المشاركات
    155

    افتراضي رد: إعادة نشر((شذرات من أقبية الأبالسة))

    7

    الليلة الثالثة... ليلة (الشيفون) بامتياز. استفقت من غيبوبتي لأجدني ملقى على قفاي كسلحفات رماها موج البحر في اليابسة وعجزت عن العودة. أطرافي مخدرة بالكاد أحركها, تحسست أنفي النازف المتورم. نوبة سعال رهيب صارت تنتابني , أبصق بعدها بقع الدم القاني. وألم فضيع أحسه في حنجرتي وكأن شفرات حلاقة حادة علقت بها. صرت أحمل هم السعال أكثر من هم الجلوس على المرحاض لقضاء حاجتي بعدما(فرشوني) بسحب رجلي اليمنى لأقصى اليمين واليسرى لأقصى الشمال خلال حفلة الليلة الفائتة. وكأن أسياخ حديد تخترق كامل بدني المثخن. ثياب نومي المبتلة بالكاد أصبحت تستر عورتي . حاولت جهدي مقاومتهم كي لا ينزعوا سروالي الذي تمزق , ويا ليتني مافعلت . بعد محاولة المقاومة الفاشلة تلك لم تعد الأصفاد تفارق معصمي خلف ظهري بعد ما كنت على الأقل أقي بهما بعض لكماتهم النازلة على وجهي بعشوائية بالغة.
    مبتلا من أخمص قدمي إلى شعر رأسي, اختلطت على أنفي الروائح, رائحة (الشيفون) العفن الكريهة, ورائحة البول العطنة. خمنت, ربما فعلها الكلب كابيلا صاحب الوجه البشع بشاعة المكان وأنا في غيبوبتي. فقد كنت علمت من بعض إخوة المحنة أن إحدى هوايته المتعددة المفضلة عنده هي إفراغ متانته المملوءة جعة وخمرا على أجساد الضحايا ووجوههم خاصة.
    أحمد الله على كل حال. لم يفعلوها بي أمام عيون أفراد أسرتي وبحضورهم كما فعلوها بميمون البركاني في غرفة نومه حين احتج على ترهيب أبنائه ليلا والدخول على زوجه وهي بلباس النوم فقط . وطالب بإذن الوكيل العام لتفتيش البيت. المسكين ربما صدق كلام التلفزيون وبراحي ** العهد الجديد} وحسب أن ذاك الزمن قد ولى ولن يعود كما يروجون. وأن زوار الفجر وخفافيش الظلام يعترفون بشيء اسمه القانون. كلما التقيته في ساحة السجن خاطبته مازحا مذكرا إياه بالواقعة. {واقعة التبول عليه أمام أعين زوجته وأبنائه}
    "هل تظن نفسك في السويد يا ميمون" فكان يبتسم بألم .
    بل أكثر وأخطر من هذا ماحدثني به لحظة مداهمة بيته وبعد التبول عليه. أيقظوا شقيقه وشقيقته الصغار وهما من ذوي الإحتياجات الخاصة {الصنف المنغولي} كان المسكين يعيلهما فانهالوا عليهما ضربا بكل قوة. لم يسلم من شرهم أحد في هذه البلاد في هذه الحرب المستعرة بالوكالة. أقسموا له قائلين
    " والله إن لم تدلنا على مكان تواجد صديقك فلان لنقتلنهما"
    كانا يصرخان في هلع ورعب شديد. وتبولا من شدة الرعب حتى ابتلت ملابسهما بذلك. نزلت عليهما الأيدي والأرجل الخشنة بكل قوة ولم تكف حتى وافق على كشف مكان تواجد صاحبه الذي نال رفقته حكما بأربعين سنة قسموها بينهما سواسية .
    زحفت على بطني بمساعدة يدي كدودة مبعوجة الذيل داستها قدم آدمية غير مكترثة صوب صنبور الماء. صدق الخبيث ووفى بما توعدني به بالأمس حين قال: " مازال ما شفت والو أوليدي سير ارتاح وفكر مزيان مع راسك. وتعاون معانا راه من مصلحتك..."
    (إنك لم تر بعد شيئا يا ولدي . اذهب الآن لترتاح وفكر جيدا وكن متعاونا فإن ذلك من مصلحتك )
    صدق الخبيث هذا مما لم أره وأذق طعمه من قبل . لكني أكيد قرأت أو سمعت عنه ممن زاروا المكان من قبل أو زاروا غيره من المراكز السرية والعلنية التي تنتشر على طول هذا الوطن أكثر من المستشفيات.
    الليلة الثالثة... ليلة (الشيفون) بامتياز. وما أدراك ما الشيفون. أدخل قبري ولا أنساها. اللعنة ألف مرة على من اخترع هذه الوسيلة البشعة . لو عرفته لبصقت على قبره وربما تبولت عليه. بعدما علقوني من رجلي ومعصمي وسط عمود حديدي أفقي على طريقة الديك المشوي, تدلى رأسي للخلف لتسهل العملية. شرعوا في الضغط على أنفي بملقط خاص لم أتبين شكله مما كان يضطرني لفتح فمي, حينها يدخلون خرقة الموت المبلولة بالسائل الغريب ويعصرونها في فمي. غلبت رائحة مادة {الكريزين} القوية على رائحتي الكلور ومياه المجاري وربما أشياء أخرى لم أعرفها.
    وأنا صغير أذكر أنني كنت أفر من البيت حين تستعمل الوالدة {الكريزين} في تنظيف المرحاض هربا من رائحته الخانقة. وها أنا ذا أعبه عبا رغما عن أنفي. كنت أظنه قد انقرض من الأسواق وتوقف إنتاجه بعدما هزمته منتوجات التنظيف الجديدة زاهية الألوان والتعليب , ولم يصمد أمام وصلاتها الإشهارية المتنوعة التي لا تتوقف على التلفزيون. من المؤكد أن القوم لا زالوا يحتفظون بمخزون هائل من هذا {الكريزين} من عهد يزعمون أنه ولى بلا رجعة. تبدلت بعض الوجوه والشعارات ولم تتبدل الوسائل. تبا لهم...وهذه الوسيلة بالذات أزهقت أرواح العديد من المواطنين في مخافر الشرطة والمعتقلات...
    انذلق السطل فأمر أحدهم بملئه من جديد. تمنيت لو تطول مدة غيابه حتى أسترجع بعضا من أنفاسي . لكن الخبيث عاد في رمشة عين, وكأن الوصفة الرهيبة جاهزة ولا تحتاج كبير عناء لتحضيرها. لعلها بئر مملوءة أو خزانات ضخمة , هكذا خلتها حينئذ...
    تمنيت الموت...عيني تجحضان حتى كنت أظنهما قد غادرتا محجريهما... السائل يخرج من أنفي ...رأسي تنفجر...حين يحسون باختناقي الشديد وقرب دنو أجلي كانوا يوقفون العملية للحظات...
    كنت أغيب عن الوعي فتوقظني الصفعات القوية والمياه الباردة على وجهي...وربما جعة كابيلا ورفاقه المخزنة في مثانته ...
    رفعت سبابته كما أمروني إذا رغبت في القول:
    "ملي تبغي تكلم هز صبعك"
    أوقفوا العملية "قووول ...قوووول ...بسرعة قوووول...."
    "مهلا عليه أريحوه يا كلاب...أتركوه يسترجع أنفاسه...أنا أعرفه راجل ونصف" هكذا صاح فيهم أحد الممثلين. ثم توجه إلي يمسح الزبد الخارج من فمي وهو يردد " مالك على هاد التكرفيص أوليدي من الصباح قول لهم فين هو صاحبك خ وسير ارتاح مع راسك . ياك هو صاحبك من الروح للروح مايمكنش يغبر بلا ما يقول لك فين غادي؟؟؟!!! "
    أخذت فرصة لأسترجع بعضا من أنفاسي. خلتهم فرحين يفركون أيديهم مبتسمين يتغامزون علي. ألحوا علي مرة أخرى فنهرهم الممثل الغبي متظاهرا بالتعاطف معي والإشفاق لحالي " دعوه يرتاح قليلا" قاطعته حينها " قتلوني وريحوني والله ماعارف شي حاجه عليه "
    كنت طبعا كاذبا في قسمي لأني أعلم علم اليقين أن الأمر لن يتوقف عند معرفتهم أين ذهب سيكون اعترافي ذاك مجرد رأس الخيط وبداية السلسلة
    حرف الألف يتبعه الباء ثم التاء ثم الثاء ...وهكذا. وإلا فلو كان الأمر يتوقف هنا لقلت لهم وأرحت نفسي . تبا لهم فلأصبر والله معي.
    ازداد غيظهم وصراخهم وحنقهم بعد جوابي , فضاعفوا لي العذاب. آخر ما أذكره من كلامهم قبل أن أغيب عن الوعي هو :
    " واش احنا قتاله باغينا نقتلوك واش احنا مجرمين أولد الق حيد لمه السروال...حيد لمه السروال..."
    هل نحن قتلة مجرمون حتى تطلب منا قتلك يا ابن العاهرة انزع سرواله...

    الليلة الثالثة : وما أدراك ما الليلة الثالثة...صوت جلبة وضوضاء تكسر سكون الممر. زحفت صوب البوابة الضخمة. غريب أمر المكان, كل الحواس تكاد أن تتعطل هناك وتتبلد ماعدا حاسة السمع من شدة الخوف يصبح المرء أسمع من فرس.
    وضعت خدي على الأرض بمحادات أسفل البوابة السوداء حيث يتسرب خيط شعاعي ضوئي خافت, علي أسمع بعض ما يجري .
    ضحية جديدة تساق نحو المسلخ, بالكاد يجر قدماه. تمتمت له بالدعاء.
    عم الصمت الرهيب المكان لبعض الوقت, قبل أن يصلني صوت كبيرهم في لكنته الفاسية الركيكة..."قووول...قووول...قووول...
    يجيبهم الضحية في إصرار غريب بصوت فيه حشرجة وبحة :
    "والله ما نقول !!! والله مانقول!!! "
    قووووول أولد الق.....قووووول أحسن لك...قووووووول......"
    يجيبهم في تحد " والله مانقوووول....والق....هي أمك...أنت هو ولد الق..
    وقف شعر رأسي وساد السكون الرهيب مرة أخرى. ربما يعدون العدة لكسر هذا التحدي الغريب الذي لا يقدم عليه هنا إلا مجنون فقد عقله أو إنسان من غير طينتنا .
    بعد لحظات دوى صراخ المسكين. رجع صداه هز هدوء الليل . وكأن جلده يسلخ عن لحمه. كدت أخر هلعا, تقطعت النياط في قلبي ألما وحزنا وخوفا. في حياتي لم أسمع كتلك الصرخات التي لا تزال تدوي في أذني ليومي هذا مساهمة بدورها في كوابيسي التي لاتنتهي منذ غادرت المكان.
    مرة أخرى. تمنيت الموت وراودتني فكرة الإنتحار الشيطانية. قمة العذاب أن تسمع استغاثات المعذبين وصرخاتهم الرهيبة وأنت لا تملك لهم شيئا. قد تفوق هذه الوسيلة في التعذيب بالسماع,الطيارة والصعق والشيفون نفسه...أعتذر...لا...لا...إلا الشيفون...إلا الشيفون...
    خلتهم ينزعون أظافره أو يقطعون جهازه التناسلي بشفرات حلاقة كما فعلوا مع بعض من سلمتهم لهم أمريكا من غير المغاربة لانتزاع اعترافات منهم بالوكالة عنها.
    توالى صراخه وتعالى,وازداد إصراره العجيب على اللاقول ...وازداد قلبي خفقانا وجسدي ارتعاشا.

    انفجرت في نوبة بكاء داخلي مرير. ترى أي قول يريدونه قوله؟؟؟
    أهو شهادة على مكذوبة وسيناريو مصطنع على نفسه يريحه من عذاب مؤقت ويطوح به في غيابات الجب العميق حيث يفني زهرة عمره وشبابه. يصارع العذاب والموت البطيء.؟؟؟!!!
    ترى لم كل هذا وأي بشر هؤلاء؟؟ ألهم أسر, وأطفال؟؟ هل يداعبونهم؟؟
    أيعيشون بيننا ويأكلون ويشربون ويمشون في الأسواق ويركبون الحافلات وينظرون في وجوه الناس كما نفعل ويفعل بنو البشر كلهم؟؟؟
    آه...آه...آه...لو أني لي بهم قوة. تخيلتني أصفهم فأجز رؤوسهم واحدا واحدا... أو أرمي بهم من قمة جبل شاهق . أو أرمي بهم في قعر فرن ملتهب...استعذت بالله من الشيطان الرجيم. بعد ما كنت أتردد كثيرا قبل قتل صرصار أو طرد قط ها أنذا قد سكنني شيطان الإنتقام والحقد. هم السبب, ومن يمر من هناك ولا يسكنه شيطان الغل والحقد والإنتقام؟؟؟!!
    إنه مصنع كبير لتفريخ وحضانة الضغينة بامتياز...!!!
    لاأشك في أنهم سيجنون في يوم قريب, ما يستثمرونه هذه الأيام في هذه المصانع وما ينتجونه. حينها لن ينفعهم الندم.
    أسائل نفسي باستمرار. كيف برأ من هذا بعض ضحايا الماضي ممن سمعناهم مرارا يرددون أنهم عفوا وصفحوا. بل أكثر من هذا صافحوا جلاديهم أمام العدسات المرتقبة لالتقاط حميمية اللحظة الصطنعة ربما.
    أتستطيع حفنة مال أن تطمس فطرة خلقها الله فينا. أم هو كلام ضعيف عاجز انطبق عليه مثل القط الذي لم يتمكن من بلوغ قطعة لحم فقال أنها منتننه.
    أجاهد نفسي ليومي هذا لأقتل الشيطان الكامن في داخلي فيأبى...أكاد أقضي عليه بالأمل واستحضار أحاديث وآيات الصفح. يترنح ثم يعود بعودة وجوههم التي لا تكاد تفارقني. تذر ملحا على جراحاتي التي تأبى الإندمال.
    أيقظتني من تساؤلاتي صرخات المسكين مرة أخرى. رسمت له هو الآخر بورتريها سريعا في مخيلتي معتمدا في ذلك لكنته السوسية وصلابته وتحديه الناذر....نحيل ضعيف البنية الجسم. عيناه واسعتان غائرتان. قصير القامة فاحم الشعر...
    خفتت الأصوات مرة أخرى فشحذت سمعي وأجهدت نفسي أكثر لسماع بعض ما يجري."سوريا...العراق...الموصل...أبو جابر...أبو ضحى...أبو فلان ...أبو علان...الإيميل...الباسبور...
    فهمت الموضوع مما وصلني بصعوبة من كلماتهم المتقطعة . كلنا في الهوى سواء يا صاحبي السجن. ضحية أخرى ممن ابتلعهم أخدود الحرب بالوكالة, ودمغتهم مقولة وشعار هولاكو الزمان " معي أو مع الإرهاب"
    جلبة وضوضاء تقترب مني هذه المرة في الممر. أعادوا المسكين محمولا أو مجرورا, رموه في زنزانته, سمعت جسده يتهاوى محدثا دويا وهو يرتطم بالأرض. أغلقوا الباب بقوة كالعادة, عادوا يلهثون ...يسبون...ويلعنون... انغمست في حزني وآلامي وبكائي المرير. ما أبشع الإحساس بالضعف( والحقرة) وكزني شيطان الإنتقام من جديد. فسرحت بخيالي بعيدا...قطعت رؤوسهم...سملت عيونهم...
    لم أذق طعم النوم مذ ولجت المكان. لا أدري أهي الصدفة التي رمت بي في زنزانة تجاور غرفة التحقيق,أم هو سبق إصرار منهم وترصد. ارتفع صوت المكبرات. رجع صدى المكان يزيد صوت المغني قوة. تكاد ترج الجدران, وسيلة تعذيب رهيبة من نوع خاص, شعارها , ممنوع النوم في هذا المكان. ليلة أخرى من ليالي السهر والعذاب. ربما يشربون نخب (النصر) في هذه اللحظة على الإيقاعات الصاخبة. رائحة الخمور لا تبارح أفواه (حجاج العهد الجديد) هي لحظات استراحة ربما. قبل أن تدور رحى العذاب من جديد...
    حاولت جاهدا ربط أطراف الخيوط التي تركوها لي مشبكة في جلسات العذاب الأخيرة. لحد الساعة لم يطرحوا مسألة سفري. مجرد رموز وكلمات وألغاز توحي لي بذلك. على العموم ليس لي ما أخسره. ما وقع قد وقع وقدر الله وما شاء فعل. ولن يصيبني إلا ما كتبه الله لي في اللوح المحفوظ.
    صدق حدسي هذه المرة... هما ضحيتان...صغيرا السن...يسحان الدمع الغزير المصحوب بالترجي والإستغاثة : "الله يرحم الوالدين آلحاااج ..."
    "قلت لك يا ولد الق...أنا ما عندي والدين...أنا ولد الحرام لقوني مرمي قدام جامع ...أنا أبو جهل...أنا أبو لهب...ههههه يقهقه بصوت جهوري.
    يزيد بكاؤهما وخوفهما..." الله يخلي ليك لوليدات آلحاج...لوليدات آلحاج"
    يصرخ فيهم أبوجهل اللقيط : " شكون فيكم الأمير...شكون الأمير...؟؟؟ "
    يقسمان بأغلظ الأيمان أنهما لا يعرفان شيئا...أظن أن الطاحونة لم تدر بعد. أبدل بالغ الجهد لأسمع ما يدور.
    " يا لاه اللي ماشي أمير يحيد سروال الأمير"
    (من ليس بالأمير فلينزع سروال الأمير)... يصمتان... فتدوي اللطمات واللكمات والصفعات وأوامر اللقيط أبو لهب بصوته المرعب المدوي :
    "حيد ليه السروال آولد القح... ( "انزع سرواله يا ابن العاهرة ")
    يسحان الدمع غزيرا ويشرعان في نزع سروال بعضهما البعض على تشجيعات وسخرية المجرمين, للبراءة من الإمارة المزعومة...تتعالى عبارات التشجيع والإستهزاء والتشفي...
    "هاذي هي دار الحق, من يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره " استعارة إبليسية خبيثة لآية عظيمة أضحت كاللازمة تردد على مسامع كل من ساقه القدر إلى المكان القذر.
    دارت الرحى...تعالت الصرخات...اختلطت الأصوات...وامتزجت... صوت المغني يجلجل المكان...زيديني عشقا زيديني...
    زيدوه ألما زيدوه. حتى يقر لأمه...
    تحسست خصيتاي...ألم فظيع يسري فيهما. أفزعني المنظر حين كشفت,وكأن كتيبة نحل هاجمت المكان. جذبهما الخبيث بقوة. شعرت أن روحي ستزهق منهما, قال الخبيث: "من الآن فصاعدا ليس لك ما تفعله بهما. انتهت مدة صلاحيتهما ووظيفتهما. تعرف لماذا؟؟؟ صمتت ولم أجب,لأنك لن تر امرأة بعد اليوم . صل على نفسك صلاة الجنازة...سنرسلك حيث تغرس شجرة وتنتظر ثلاثين سنة لتستظل بظلها..
    قهقهوا جميعهم غير مكترثين بصراخي وآلامي.
    صورة والدتي الغالية ترتسم أمام ناظري ولا تكاد تفارقني. أكاد أجن حين أذكرها. بدلت جهدا كبيرا لإقناعها بالسفر صوب بلاد الرافدين , كنت كلما ظهر إصدار مرئي جديد للمجاهدين هناك دعوتها لغرفتي وعرضته أمامها للمشاهدة وكنت أعمل عمل المترجم والشارح . بكت مرات عدة لصور الأطفال الممزقة بقذائف الطائرات وقصص النساء المغتصبات. لم أزل بها حتى نطقت يوما موافقة على سفري مبررة امتناعها السابق بسبب خوفها من الأسر ومعانات غوانتانامو وأبو غريب .
    آه لو تعلمين أيتها الغالية عن (الشيفون)...وما أدراك ما الشيفون...تبا لتلك الخرقة العفنة ...تبا لها ولمن اخترعها...
    لهم غونتاناموهاتهم وأبو غريباتهم... ولنا الحبس الأخضر بمدينة تمارة الصغيرة, حيث يعشعش الموت...ولنا الشيفون. مهما ابتكروا فلن يصلوا لمثل هذه الطريقة المغربية الصرفة. وإن وصلوا, فمن أين لهم بالخليط البشع؟؟؟ من أين لهم بسائل الكريزين العجيب ؟؟؟ إلا أن يستوردوه منا في إطار هذا التعاون والتحالف الدولي على محاربة الإرهاب.
    قالت لي المسكينة أن أسمع بموتك أهون علي من أن أسمع أنهم قد اعتقلوك... كررتها علي مرارا. هكذا هي الأم دائما.
    سرحت بخيالي بعيدا...بعيدا...بعيدا... سألت نفسي السؤال الملح الذي لم يفارقني. لماذا نتجشم المخاطر ونشد الرحال لآلاف الأميال لقتال الغزاة الصليبيين ونترك أذنابهم وحماتهم في عقر ديارنا يعيثون فسادا وإفسادا.
    شعاع شمس يوم جديد يتسرب من كوة الزنزانة الكئيبة ...هدأت الطاحونة إلى حين...زئير أسد هرم يأتي من بعيد و كأني به يحتج على ما يجري بجواره في زمن لا بواكي لحمزة فيه...إنها تمارة...إنها البشاعة...زرت حديقة حيوناتها وأنا صغير في رحلة مدرسية...وها أنذا أزور حديقة حيواناتها الخلفية في عز شبابي...لكنها حيوانات من صنف آخر!!!
    وقبل أن ينهار
    زمجر الجدار
    كم من أسد سجانه حمار
    مع اعتذاري للحمير


    يتبع بحول الله. .
    </EM>

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

دردشة صوتية,دردشة اسلاميه,زيزوم , كتاتيب